
طرح مقال جديد سؤالا يعود إلى الواجهة كل بضع سنوات: "هل روسيا دولة أوروبية أم آسيوية؟" ليخلص إلى أن الإجابة ليست جغرافية بحتة، بل مسألة هوية مركبة ظلت روسيا تبحث عنها لأكثر من 300 عام.
وأوضح الكاتب مازن سيوخ، الخبير الروسي في مركز "نات برس" للشؤون القوقازية والأوراسية، أن نحو 3 أرباع مساحة روسيا تقع في قارة آسيا، بينما يعيش معظم سكانها في الجزء الأوروبي غرب جبال الأورال. لكنه شدد على أن الجغرافيا وحدها لا تحدد هوية الدول، مستشهدا بأستراليا وتركيا كأمثلة على دول تقع في قارات ولا تنتمي حضاريا لها بالضرورة.
من بطرس الأول إلى "القوة الأوراسية"
وأشار المقال إلى أن جذور هذا الجدل تعود إلى مطلع القرن الـ18 مع إصلاحات القيصر بطرس الأول الذي سعى لـ "فتح نافذة على أوروبا" عبر استقدام العلماء وتأسيس سان بطرسبورغ. ومنذ ذلك الحين دخلت روسيا في "حوار طويل مع أوروبا جمع بين الإعجاب والمنافسة والريبة".
وفي المقابل، توسعت الإمبراطورية الروسية شرقا عبر سيبيريا حتى المحيط الهادئ، وضمت شعوبا ذات أصول تركية وآسيوية وشمالية، ما جعل الشرق جزءا من التكوين الداخلي للدولة وليس فضاء خارجيا.
وفي القرن الـ19 انقسم المفكرون الروس بين "النزعة الغربية" التي دعت للاقتراب من مؤسسات أوروبا، و"النزعة السلافية" التي رأت لروسيا رسالة حضارية مستقلة. ولم ينتصر أي من الاتجاهين نهائيا، وبقي الجدل مستمرا حتى اليوم.
هوية لا تقبل التصنيف الثنائي
ورأى الكاتب أن الحقبة السوفياتية أرجأت النقاش عبر تقديم الاتحاد السوفياتي كمشروع أممي، لكن انهياره أعاد السؤال بقوة: "من هي روسيا؟ وإلى أي فضاء تنتمي؟"
وأضاف أنه بعد محاولة الاندماج مع الغرب في تسعينات القرن الماضي، اتجه الخطاب الرسمي الروسي لاحقا إلى تأكيد أن البلاد "ليست دولة أوروبية تابعة، بل حضارة مستقلة تمتد بين أوروبا وآسيا"، مع تعميق العلاقات مع الصين والهند ودول آسيا دون القطيعة مع الإرث الأوروبي.
وخلص المقال إلى أن "أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن روسيا مضطرة لاختيار أحد العالمين". فالمجتمع الروسي نفسه يحمل ملامح الاثنين معا: موسكو وسان بطرسبورغ قريبتان من حواضر أوروبا الغربية، بينما تعكس جمهوريات تتارستان وداغستان وياقوتيا الوجه الآسيوي المتنوع.
ووصف روسيا بأنها "دولة عصية على الفهم والتصنيف السهل. أوروبية في أدبها وموسيقاها وتاريخها السياسي، وآسيوية في جغرافيتها وتنوعها السكاني وامتدادها الاستراتيجي".
وختم الكاتب بأن قوة روسيا تكمن في قدرتها على الجمع بين المجالين، وأنها تنظر إلى نفسها كـ "قوة أوراسية" تسعى لتكون جسرا بين الشرق والغرب، متسائلا: "إلى أي قارة تنتمي دولة يتوسط شعارها نسر إمبراطوري ذو رأسين ينظران إلى الشرق والغرب
