
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. إرث باق في ذاكرة الصومال
محمد أحمد شيخ علي
لم يكن الصومال، وهو يستقبل نبأ وفاة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يودع قائد دولة شقيقة فحسب، بل كان يستحضر صفحة مضيئة من تاريخه الحديث ارتبطت باسم قائد آمن بمقدرات الشعب الصومالي وقدرته على النهوض في وقت قل فيه من يلتفت إليه.
جمع التاريخ والجغرافيا وأواصر العروبة والإسلام بين الشعبين القطري والصومالي، غير أن الأمير الوالد منح هذه العلاقة بعدا حضاريا وإنسانيا تجاوز الدبلوماسية التقليدية، لترتقي إلى شراكة حقيقية قامت على الوفاء والثقة.
مرحلة صعبة ودور قطري متميز
وفي تلك المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، واجه الصومال واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث. فقد تزامن انهيار مؤسسات الدولة عام 1991 مع تحولات النظام الدولي، لتدخل البلاد في دوامة طويلة من الصراع والانقسام والمجاعة والنزوح.
وفي خضم هذا المشهد، بدأت دولة قطر، بقيادة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في ترسيخ سياسة خارجية تقوم على الحضور الإنساني والوساطة والاستثمار في الإنسان.
لم يكن الاهتمام القطري بالصومال مجرد استجابة إنسانية عابرة، بل كان تعبيرا عن رؤية انطلقت من الثقة بأن هذا البلد يمتلك من المقومات ما يؤهله لاستعادة مكانته إذا وجد من يسانده بإخلاص.
مشاريع تنموية وإعلامية
ترجمت هذه الرؤية إلى مشاريع تنموية وإنسانية واسعة، قادتها مؤسسات قطرية كان لها حضور مبكر في الصومال. ونفذت برامج في مجالات التعليم والصحة وحفر الآبار وكفالة الأيتام والإغاثة والأمن الغذائي، في وقت كانت فيه الخدمات الأساسية قد انهارت في مناطق واسعة من البلاد.
ولم يقتصر هذا الحضور على الجانب الإنساني، فقد أدرك الأمير الوالد أن معاناة الشعوب لا تنتهي إذا بقيت حبيسة حدودها الجغرافية. ومن هنا جاء الدور الذي اضطلعت به شبكة الجزيرة الإعلامية في نقل صورة الإنسان الصومالي إلى العالم، وإعادة قضيته إلى دائرة الاهتمام الدولي.
وعلى الصعيد السياسي، دعمت دولة قطر جهود المصالحة الوطنية، وساندت الحكومات الصومالية المتعاقبة في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار وتطوير البنية التحتية.
شراكة مستمرة
وقد تطورت العلاقات القطرية-الصومالية خلال العقود الماضية من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى شراكة إستراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والثقة، والإيمان بأن استقرار الصومال يمثل مصلحة مشتركة للمنطقة بأسرها.
لقد رحل الأمير الوالد، لكن أعماله ستظل شاهدة على عطائه؛ في مدرسة يتعلم فيها طفل، وفي طريق يربط بين المدن، وفي مؤسسة تسهم في تعزيز استقرار الدولة ونمو المجتمع.
ومن هذا المنظور سيبقى الأمير الوالد حاضرا في ذاكرة الصومال بما أسهم في ترسيخه من ثقة، وما غرسه من أمل، وما أرساه من شراكة أخوية تواصلت مسيرتها في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، حفظه الله ورعاه.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من أعمال جليلة ومواقف إنسانية ستبقى آثارها ممتدة في حياة الناس وذاكرة الشعوب.
