
الخروج من الأزمة الشاملة التي تمر بها البلاد منذ نحو سبع سنوات، تلك هي الدائرة التي تدندن بشأنها النخب التونسية في الداخل والخارج، منذ نحو عامين على الأقل.
تبدو حيرة النخب التونسية كبيرة وعميقة، على الرغم من اتفاقها على تقييم واحد: أن الوضع عبثي وعلى حافة الهاوية، وأنه يكاد يعصف بما تبقى من الدولة والتاريخ والإرث الحضاري للبلاد.
لكن الاتفاق حول ضرورة الخروج من هذه الأزمة يواجه تشتتاً في التصورات والمقاربات المتعلقة بسيناريو المرحلة المقبلة. فالنخب التونسية، بما في ذلك تلك المشاركة في الحكم الراهن، ليست "على قلب رجل واحد". المقاربات متعددة ومتنافرة أحياناً، لكن الجميع يبحث عن أمرين أساسيين:
ضمان انتقال سلمي للسلطة بلا عنف أو دماء أو إرباك للوضع الهش.
طمأنة "الدولة العميقة" والأجهزة المتحكمة، على أن المعركة ليست ضد الدولة ومؤسساتها، بل من أجل تغيير النظام بسلاسة.
السيناريوهات المطروحة
1. سيناريو الشارع
يراهن بعض الساسة على حراك الشارع والرأي العام من خلال الاحتجاجات والمظاهرات، على غرار ما حدث في يناير 2011. يجري الحديث عن تنشيط "القوى النائمة" (النقابية والحقوقية والإعلامية) للضغط المدني السلمي على النظام.
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة:
من يتزعم الحراك؟
هل هناك ضمانات لعدم خروج الاحتجاجات عن السيطرة؟
أزمة الثقة بين الشارع والطبقة السياسية أصبحت عميقة جداً.
معظم المراقبين يرون أن حظوظ نجاح هذا الخيار محدودة في الظروف الراهنة.
2. سيناريو المؤسسة العسكرية
ترى بعض النخب في الجيش مخرجاً من الأزمة، معتبرة أنه الجهة الأكثر قدرة على إدارة التغيير بتكلفة أقل. يستند أصحاب هذا الرأي إلى حياد الجيش تاريخياً وحرصه على الاستقرار.
ومع ذلك، يواجه هذا السيناريو رفضاً واسعاً للأسباب التالية:
تجارب حكم العسكر في المنطقة غالباً ما انتهت بالفشل والاستبداد.
رفض النخب المدنية لفكرة "عسكرة" الحكم.
مخاوف من فقدان المكتسبات المدنية للدولة.
3. السيناريو السياسي (الأكثر طرحاً)
يحظى هذا السيناريو باهتمام واسع بين النخب، ويتضمن ثلاثة خيارات رئيسية:
تشكيل مجلس قيادة من المعارضة والشخصيات المستقلة والخبراء لوضع مشروع سياسي بديل.
التنسيق مع "الدولة العميقة" لترتيب انتقال سلس يطمئن المؤسسات.
الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها بعد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتنقية الأجواء، خلال فترة انتقالية قصيرة (90 يوماً).
خاتمة
ما يجري في تونس جزء من لوحة سوداء شكلتها النخب نفسها، التي ساهمت في إنتاج النموذج الحالي. اليوم تدفع ثمن صراعاتها، وتقف عاجزة نسبياً عن بلورة سيناريو واضح وقابل للتنفيذ.
السؤال المطروح الآن: هل تمتلك النخب التونسية الشجاعة والرؤية الكافية للخروج من "عنق الزجاجة" قبل فوات الأوان؟
