
للمرة الأولى، عجزت ألمانيا عن حشد الأصوات اللازمة، لترشيحات أحد المقاعد الدورية العشرة في مجلس الأمن، وهو ما فُسِر على أنه ثمن باهظ وعقاب لها على دعمها غير المشروط لسياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل، وكذلك مشروعها الاستعماري. وقد كشفت هذه الهزيمة أن ألمانيا تزداد عزلة على الساحة الدولية، الأمر الذي سيكلفها خسارة فادحة على المستوى الأوروبي أيضا عاجلا أم آجلا.
من أبرز سمات السياسة الخارجية الألمانية دعمها الراسخ لإسرائيل، وتعتبرها الممثل الشرعي للمجتمع اليهودي. ويتجاوز هذا الالتزام مجرد الدفاع عن حقها في الوجود، إذ ينطوي أيضا على دعم نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في الضفة الغربية، وحرب الإبادة الجماعية في غزة.
فعندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي، وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه، مما يفضح ازدواجية المعايير التي لا تخطئها عين.
لذا فإنه لفهم وتفسير أسباب هذا الموقف، لا بد في البدء من استعراض موجز للعلاقات الثنائية خلال العقود الماضية. ففي عام 1952، تعهدت جمهورية ألمانيا الاتحادية بتقديم مساعدة اقتصادية ضخمة لإسرائيل (نحو 9 مليارات دولار بأسعار الصرف الحالية)، على مدار 12 عاما، في محاولة للتعويض عن مسؤوليتها في الهولوكوست. وبفضل هذه المساعدات، أصبحت بون الشريك التجاري الأول لإسرائيل، متفوقة حتى على فرنسا والولايات المتحدة في السنوات الأولى لنشأة الدولة العبرية.
ثم دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة بعد حرب السويس عام 1956، عندما تعهدت سلطات ألمانيا الغربية بتقديم مساعدات عسكرية نوعية لإسرائيل، شملت دبابات ومروحيات وأسلحة متنوعة؛ لمواجهة الجبهة المتقدمة بقيادة مصر وسوريا
