محاربة الإرهاب تبدأ بمواجهة فكرةٍ تتوهم الكمال: المقاربة الموريتانية نموذجًا

أربعاء, 04/01/2026 - 17:30

لا يولد التطرف صاخبًا، ولا يبدأ بالعنف كما قد يبدو في ظاهره، بل يتشكل في صمت الفكرة حين تنغلق على نفسها وتتوهم امتلاك الحقيقة.

بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الفعل الإرهابي بوصفه حدثًا مفاجئًا، بل كحصيلة مسار تدريجي يبدأ باختلال في التوازن القيمي، ويمرّ عبر الانغلاق الفكري، قبل أن ينتهي إلى العنف الإجرامي المنظم.

في هذا السياق، تبرز التجربة الموريتانية كنموذج لافت، لأنها لم تكتف بالمقاربة الأمنية، بل اعتمدت رؤية متعددة الأبعاد، جعلت من الأمن القيمي ركيزة أساسية في الوقاية من التطرف واحتوائه.

فكيف تشكّلت هذه المقاربة؟ وما الذي يفسر نتائجها؟ وأين تكمن حدودها وتحدياتها؟

أولًا: مفاهيم أساسية

لفهم هذه المقاربة، يقتضي الأمر الوقوف عند عدد من المفاهيم القاعدية التي تشكّل مدخلًا ضروريًا للموضوع.

1. التطرف
يُفهم التطرف بوصفه حالة فكرية تقوم على تبنّي مواقف تتسم بالمغالاة والانغلاق، مع ميل إلى إقصاء الآخر أو نفيه.

ومن أبرز خصائصه:

اليقين المطلق (ادّعاء امتلاك الحقيقة)

الثنائية الحادة (نحن/هم، حق/باطل)

رفض الاختلاف والتعدد

قابلية التحول إلى العنف

تعدد تجلياته: ديني، سياسي، فئوي

ولا يُجرَّم قانونيًا، لكونه يدخل في إطار حرية التعبير، ما لم يتحول إلى عنف أو تحريض عليه. وهنا تبرز إشكالية دقيقة: أين ينتهي التعبير، وأين يبدأ العنف؟

2. التطرف العنيف
يمثّل انتقالًا نوعيًا من الفكر إلى الفعل، حيث تتحول القناعات إلى تبرير للعنف واعتماده وسيلة.

ومن خصائصه:

شرعنة العنف

تبرير القتل والإقصاء

تبنّي خطاب “الخلاص بالقوة”

وهو مجرّم قانونيًا، ويُدرج ضمن جرائم الإرهاب أو التحريض عليه.

3. الأمن القيمي
هو منظومة لحماية القيم المرجعية للمجتمع – الدينية والثقافية والأخلاقية – بما يحفظ تماسكه ويمنع اختراقه فكريًا وسلوكيًا.

4. الأمن القيمي الرقمي
يمثل امتدادًا للأمن القيمي في الفضاء الرقمي، ويهدف إلى حماية الوعي من:

التجنيد الرقمي

خطاب الكراهية

غرف الصدى والخوارزميات المغلقة

العلاقة بين المفاهيم: منطق الهرم

لا يظهر الإرهاب فجأة، بل يتشكل عبر مسار تصاعدي يبدأ باختلال في قاعدة الهرم (الأمن القيمي)، ثم يتطور إلى تطرف فكري، فإلى تطرف عنيف، وصولًا إلى الإرهاب في قمته.

وعليه، فإن الوقاية الحقيقية تبدأ من القاعدة: من تعزيز التوازن القيمي داخل المجتمع.

ثانيًا: المقاربة الموريتانية

تعتمد موريتانيا مقاربة شاملة في مواجهة التطرف، تجمع بين البعد الأمني والفكري والاجتماعي.

ورغم أن النصوص القانونية لا تستخدم المصطلحات الحديثة بشكل مباشر، فإن القانون رقم 035-2010 المتعلق بمحاربة الإرهاب يجرّم التعصب والدعوة إلى العنف وتمجيده، مع عقوبات صارمة.

1. البعد الأمني
يرتكز على استراتيجية وطنية تعتمد:

الاستباق والفعالية

تعزيز الاستقرار

تجنب الإفراط في استخدام القوة

2. البعد الديني
يقوم على المرجعية المالكية والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، ويعتمد على:

نشر خطاب ديني معتدل

الحوار مع المتطرفين داخل السجون

وقد ساهم ذلك في تقليص جاذبية الفكر المتطرف وتسجيل مراجعات فكرية ملحوظة.

3. البعد الاجتماعي والاقتصادي
يشمل:

مكافحة الفقر والهشاشة

دعم التعليم

إدماج الشباب

تنمية المناطق الحدودية

النتائج

أثمرت هذه المقاربة عن توقف العمليات الإرهابية داخل البلاد منذ 2011، باستثناء حادثة معزولة عام 2023 تم احتواؤها بسرعة.

كما تُصنّف موريتانيا ضمن الدول ذات التأثير المنخفض جدًا في مؤشر الإرهاب العالمي، رغم بعض التقلبات المرتبطة بعوامل غير موضوعية.

التحديات القائمة

رغم النجاحات، لا تزال هناك تحديات حقيقية، من أبرزها:

ارتفاع معدلات الفقر والهشاشة

البطالة، خاصة في صفوف الشباب

آثار التغير المناخي

التهديدات الرقمية وانتشار خطاب التطرف

اختلالات بيئية مرتبطة باستغلال الموارد

مقترحات لتعزيز المكاسب

تطوير الخدمة الوطنية لإدماج الشباب

تعزيز التفكير النقدي في التعليم

تنظيم الفضاء الإعلامي والرقمي

ترسيخ الأمن القيمي البيئي

خاتمة

تؤكد التجربة الموريتانية أن مكافحة التطرف لا يمكن أن تختزل في المقاربة الأمنية وحدها، بل تتطلب معالجة جذوره الفكرية والقيمية والاجتماعية.

فالتطرف لا يُواجه فقط عند ظهوره، بل يُمنع في بداياته.
ولا وقاية منه… دون توازن قيمي.

عقيد (متقاعد): البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

الفيديو

تابعونا على الفيس