
في اتساع الصحراء الموريتانية، حيث تتعانق الرمال مع الأفق، وتُختبر القلوب بصدقها قبل أقوالها، ينهض بعض الناس ليكونوا جسورًا بين الحاجة والرجاء، بين الألم والطمأنينة. هناك، في تلك المساحات التي لا يملؤها إلا الصبر، يسطع اسما العزة منت الشيخ أياه وزوجها محمد محمود ولد المصطفى، لا كاسمين عابرين، بل كحكاية عطاءٍ تُروى، وكأنشودة إنسانية تتردد في تفاصيل الحياة اليومية.
ليست قصتهما مجرد فعل خيرٍ عابر، بل هي عهدٌ غير مكتوب، اختاراه معًا، فصار الزواج بينهما شراكة في الرحمة قبل أن يكون شراكة في الحياة. يلتقيان عند نقطةٍ واحدة: أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الكرامة لا تُجزّأ، وأن العطاء لا ينبغي أن ينتظر موسمًا ليزهر.
في غير رمضان، حين تخفت الأضواء، ويغيب كثيرٌ من المتطوعين عن ساحات العطاء، يبدآن هما رحلتهما الصامتة. لا ضجيج يسبق خطاهما، ولا كاميرات توثّق حضورهما، لكن أثرهما يُرى في البيوت التي عاد إليها الدفء، وفي الوجوه التي استعادت ابتسامتها. يطرقان أبوابًا أثقلها الصمت، ويحملان إليهم ما استطاعا من غذاءٍ ودواءٍ وأمل. لا يسألان عن انتماء، ولا يلتفتان إلى اختلاف؛ فكل محتاجٍ عندهما قضية، وكل إنسانٍ يستحق أن يُمدّ إليه خيط النور.
ثم يأتي رمضان، فتتسع الدائرة، ويشتدّ النبض، ويصبح عطاؤهما أشبه بنهرٍ يفيض في كل اتجاه. موائدُ إفطارٍ تُنصب هنا وهناك، سلالٌ غذائيةٌ تُحمل إلى البيوت، ووجوهٌ تتلاقى على بساطٍ من الألفة. لكن الأجمل من ذلك كلّه، أن هذا الخير لا يعرف حدودًا ضيقة؛ فلا يُوجَّه إلى شريحةٍ دون أخرى، ولا يُختزل في فئةٍ بعينها، بل يعمّ موريتانيا بكل أعراقها، بكل تنوعها، كأنهما يكتبان بفعلهما قصيدة وحدةٍ وطنية، لا بالحبر، بل بالخبز والرحمة.
وقد برزت العزة منت الشيخ أياه في الآونة الأخيرة بإطلالةٍ مميزة داخل الحرم الجامعي، حيث أدركت أن الطالب، وهو يحمل همّ العلم، قد يثقل كاهله همّ المعيشة. فمدّت يدها إلى هناك، إلى حيث الأحلام تتشكل، وقدّمت مبادراتٍ خفّفت عن الطلبة بعض أعبائهم، فكان عطاؤها رسالة تقول: إن المعرفة لا تزدهر إلا في بيئةٍ يسندها التراحم، وإن الطالب حين يُطمأن، يبدع أكثر، ويعطي أكثر.
أما محمد محمود ولد المصطفى، فكان سندًا في هذا الطريق، يرافقها بروحٍ تشبه روحها، ويؤمن أن الخير حين يُتقاسم، يكبر، وأن العمل الإنساني ليس بطولة فرد، بل تناغم روحين تؤمنان بذات الرسالة. معًا، ينسجان صورةً نادرة، حيث يصبح الزواج طاقة مضاعفة للعطاء، لا مجرد علاقةٍ خاصة، بل نافذةً تُفتح على المجتمع كله.
ولعلّ أبلغ ما يُقال في وصف هذا المسير، ما أنشده أبو تمام:
“قد يُنعمُ اللهُ بالبلوى وإن عظُمتْ
ويبتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعمِ”
فقد جعلا من النعمة مسؤولية، ومن القدرة بابًا يُفتح للآخرين، لا جدارًا يُغلق دونهم. ويأتي صوت المتنبي كأنه يُتمّ المعنى:
“ومن يهبِ المعروفَ من غيرِ عِرضِهِ
يفره، ومن لا يتّقِ الشتمَ يُشتمِ”
فهما يهبان المعروف خالصًا، لا ينتظران ثناءً ولا يطلبان جزاءً، بل يتركان الأثر يتحدث عنهما، في صمتٍ أبلغ من كل خطاب.
إن ما يميز تجربتهما ليس كثرة الأعمال فحسب، بل روحها؛ تلك الروح التي ترى في كل موريتاني مرآةً للآخر، وفي كل اختلافٍ ثراءً لا حاجزًا. هما لا يبنيان مبادراتٍ فقط، بل يبنيان ثقة، ويزرعان معنى أن الوطن يتسع للجميع، وأن الخير إذا انطلق من القلب، لا يعرف طريقًا إلا إلى كل القلوب.
وهكذا، تمضي العزة منت الشيخ أياه وزوجها محمد محمود ولد المصطفى في دربٍ لا تزيّنه الكلمات بقدر ما تخلّده الأفعال؛ دربٍ تُضاء جنباته بآثار من مرّوا من هنا، وقد خفّ عنهم بعض ثقل الحياة. وفي زمنٍ تكثر فيه الأصوات، يختاران أن يكونا صدى الفعل، وأن يكتبا اسميهما حيث لا يُمحى الأثر: في قلوب الناس.





