
رحم الله أحمدناه ولد أتويش، فقد كان رحيله مناسبة يستعيد فيها الناس معنى الرجال الذين يعيشون في هدوء، ويغادرون في صمت، لكنهم يتركون وراءهم سيرة طيبة وأثرًا لا يزول من القلوب. لم يكن من أولئك الذين يطلبون الذكر أو يتصدرون المجالس، بل كان رجلًا بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في معدنه، جمع بين خُلق الجندية التي عرفها في عمله بالحرس، وخُلق الصالحين الذين تأنس قلوبهم بالصلاة والذكر.
عرفه من خالطه رجلًا وقورًا، قليل الكلام، صادق اللسان. وكان الصدق فيه سجية لا تكلفًا؛ فإذا تحدث اطمأن الناس إلى حديثه، وإذا وعد وفّى. وقد بقيت هذه السجية ملازمة له طوال حياته، في عمله حين كان يؤدي واجبه، وفي تقاعده حين اختار حياة هادئة يغلب عليها الذكر والعبادة.
وكانت الصلاة أبرز ما يميّزه في أعين من عرفوه. فقد كان من أولئك الذين لا تفارقهم الصلاة، يأنسون بها وتأنس بهم، كأنها صلته الدائمة بالسكينة والطمأنينة. ومثل هؤلاء لا يلفتون الأنظار بكثرة الكلام، بل يعرفهم الناس بثباتهم على الطاعة، وبحضورهم الهادئ الذي يبعث الاحترام.
وحين يرحل مثل هذا الرجل، فإن الناس لا يذكرون ماله ولا جاهه، بل يذكرون صفاء قلبه واستقامة طريقه. وهكذا كانت سيرة أحمدناه ولد أتويش: حياة بسيطة، لكنها مملوءة بالصدق والعبادة وحسن المعاملة.
وقد صدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
دعِ الأيامَ تفعلُ ما تشاءُ
وطب نفسًا إذا حكمَ القضاءُ
ولا تجزعْ لحادثةِ الليالي
فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ
فالدنيا دار عبور، لا يبقى فيها أحد، وإنما يبقى أثر الإنسان وسيرته بين الناس. والراحل – رحمه الله – ترك سيرة يذكرها الناس بالخير، وذلك هو البقاء الحقيقي.
وقد عبّر أبو العتاهية عن حقيقة الموت التي يشترك فيها الناس جميعًا بقوله:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمَّ نُقصانُ
فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ
مَن سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتهُ أَزمانُ
إن رحيل أحمدناه ولد أتويش يذكّرنا بأن الرجال الصادقين يمرّون في الحياة مرورًا هادئًا، لكنهم يتركون خلفهم ذكرًا حسنًا. وقد كان – كما عرفه الناس – مثالًا للرجل المتدين الصادق، الذي جمع بين أداء الواجب في حياته العملية، والمحافظة على الصلاة والاستقامة في حياته الخاصة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يملك المرء إلا أن يستحضر ما قاله المتنبي في حكمةٍ خالدة عن حتمية الموت:
كُلُّ ابنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ
يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ
رحم الله أحمدناه ولد أتويش رحمة واسعة، وجعل ما عُرف عنه من صلاة وصدق وحسن سيرة نورًا له في قبره، ورفعةً له في درجاته. وعزاؤنا لأهله وذويه أن الإنسان قد يرحل بجسده، لكن أثره الطيب يبقى حيًا في قلوب من عرفوه.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
