حين تصبح واشنطن أكثر يمينية من تل أبيب: كيف تدير إسرائيل "اندفاع" أمريكا نحو إيران؟ بقلم: إيهاب جبارين

سبت, 02/14/2026 - 12:51

تخيل معي تلك الغرف المغلقة حيث لا تظهر الأمور كما تبدو على الشاشات؛ هناك، لا تتحدث إسرائيل كمحرض يدفع الآخرين إلى العمل، بل كمن يمسك باللجام ويوجه الاتجاه بعناية. المفارقة التي تكشفها نظرة عميقة داخل العقل الإسرائيلي هي أن تل أبيب اليوم لا تواجه إدارة أمريكية مترددة تحتاج إلى دفعة، بل إدارة "متحمسة" تحتاج إلى إدارة حذرة لتجنب تصعيد غير مدروس.
انقلاب المعادلة: واشنطن "أكثر استعجالاً" من جنرالات تل أبيب
في العلاقة التاريخية بين الطرفين، كانت الأدوار ثابتة: إسرائيل تضخم التهديد لتدفع واشنطن نحو التصعيد، والبيت الأبيض يبطئ الخطى لموازنة المصالح العالمية. لكن اليوم، انعكس المشهد؛ فنحن أمام لحظة نادرة تكون فيها الإدارة الأمريكية أكثر يمينية وأقل صبراً من جزء كبير من المؤسسة الإسرائيلية (الاستخبارات والجيش) التي تفضل الحسابات الدقيقة على الاندفاع العاطفي.
في واشنطن، يُنظر لإيران كتهديد مركب:
أيديولوجي: يربط بين "الإرهاب" والدعم الإيراني للمليشيات.
انتخابي: يستخدم لتعزيز الصورة أمام الناخبين الجمهوريين والكونغرس.
رمزي: استعادة صورة "القوة الأمريكية" بعد سنوات مما تعتبره الإدارة الحالية "تراخياً".
أما داخل إسرائيل، فتظهر قراءة أكثر حذراً؛ فالجيش يدرك تماماً تبعات تعدد الجبهات المفتوحة (غزة، لبنان، اليمن) ومحدودية القدرة على حسم الأمور دون تورط أمريكي كامل، وما يتبع ذلك من تكاليف باهظة على اقتصاد يعاني أصلاً.
إستراتيجية الطبقات الثلاث: كيف تضغط إسرائيل؟
إسرائيل لا تمارس ضغطاً أحادي الاتجاه، بل تشغل ثلاث طبقات متزامنة لإدارة الحليف الأمريكي:
الطبقة السياسية والإعلامية: تضخم التهديد لمنع أي "صفقة" أو تهدئة قد تعيد الملف النووي لنقطة الصفر. الهدف هنا هو إبقاء الضوء مسلطاً على طهران دائماً.
الطبقة الأمنية: المؤسسة العسكرية لا تريد "حرباً شاملة" تفلت من السيطرة (على غرار نموذج العراق 2003). لذا تضغط إسرائيل لضمان أن تكون أي خطوة أمريكية محسوبة، وللحفاظ على هامش مناورتها المستقل في العمليات السرية.
الطبقة الرمزية: استثمار اللحظة لتوسيع التحالفات الإقليمية وربط إيران بكل ملفات المنطقة، من حماس في غزة إلى الحوثيين في اليمن، وحتى الصراع مع الصين وروسيا.
"تم الوفاء بالوعد.. بتنسيق عملياتي كامل بين الجيش الإسرائيلي والأمريكي، هاجمت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية الثلاث: فوردو، نطنز، وأصفهان"
— بنيامين نتنياهو (بيان رسمي، 2025)
إدارة حافة الهاوية: الربح بلا احتراق
من منظور إسرائيلي خالص، الاستغلال الذكي لهذه الإدارة الأمريكية لا يعني دفعها لحرب شاملة، بل تحميلها "كلفة الردع اليومي" بدلاً من كلفة الانفجار الكبير. ويتم ذلك عبر:
تعزيز الوجود العسكري الأمريكي (حاملات الطائرات) كدرع حماية لإسرائيل.
تحسين شروط المواجهة المستقبلية وبناء تحالفات أقوى.
استنزاف إيران اقتصادياً وتأجيل القرار النهائي للحسم العسكري قدر الإمكان.
الخلاصة: سياسة تفادي الخسارة الكبرى
إدارة أمريكية أكثر يمينية من إسرائيل قد تقود إلى "حرب"، لكن ليس بالضرورة إلى "نصر مستدام". لذا، لا يبدو الضغط الإسرائيلي اليوم كصراخ هستيري، بل كسياسة دقيقة لإدارة حافة الهاوية: رفع السقف لتخويف إيران، وخفض الاندفاع لعدم السقوط في الفخ.
إنها باختصار سياسة تفادي الخسارة الكبرى مع الحفاظ على التوازن في منطقة مليئة بالمفاجآت. يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في قيادة هذا الاندفاع الأمريكي دون أن تفقد استقلاليتها الإستراتيجية على المدى الطويل؟

الفيديو

تابعونا على الفيس