
واشنطن - يعد استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية بشكل أحادي -وتحديداً من خلال نشر وحدة "دلتا فورس" لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله قسراً إلى الأراضي الأمريكية- خرقاً استثنائياً لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً صارخاً لركائز القانون الدولي، فضلاً عن كونه مخالفاً للقانون الأمريكي المحلي والدستور.
إن هذه العملية تمثل استخداماً غير مشروع للقوة ضد دولة ذات سيادة، وانتهاكاً لمبدأ عدم التدخل، ومساساً بمبدأ المساواة السيادية المنصوص عليه في المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، وتحدياً خطيراً للنظام القانوني الذي ينظم حصانة رؤساء الدول.
تقييم قانوني بموجب ميثاق الأمم المتحدة
تحظر المادة 2 (الفقرة 4) من الميثاق "التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة". إن إدخال قوات عسكرية للقبض على رئيس دولة قائم يقوض استقلال فنزويلا السياسي، دون إذن من مجلس الأمن أو ادعاء مشروع بالدفاع عن النفس (المادة 51)، حيث لم يثبت تعرض الولايات المتحدة لهجوم مسلح من قِبل فنزويلا.
مبدأ عدم التدخل والحصانة الدولية
يحظر العرف الدولي التدخل القسري في الشؤون الداخلية للدول، واختطاف رئيس دولة هو أقصى أشكال هذا التدخل. كما يتمتع رؤساء الدول القائمون بحصانة شخصية مطلقة بموجب القانون الدولي العرفي، ولا ترفع هذه الحصانة إلا بموافقة دولتهم أو بقرار من محكمة دولية مختصة. لذا، فإن عملية الاعتقال والنقل لمحكمة وطنية تعد انتهاكاً لقاعدة الحصانة الرئاسية وجريمة "خطف دولي".
تداعيات تهدد السلم العالمي
إن هذه العملية تفتح الباب على مصراعيه لتهديد منظومة الأمن الدولي من خلال:
تكريس سابقة خطيرة: إضفاء شرعية "الأمر الواقع" على استخدام القوة للقبض على القادة، مما قد يغري دولاً أخرى باتباع النهج ذاته.
تقويض سلطة مجلس الأمن: تجاوز الولاية الحصرية للمجلس في تفويض القوة يضعف مفهوم الأمن الجماعي ويمنح القوى الكبرى حقاً ضمنياً في فرض إرادتها أحادياً.
تفكك النظام القانوني: إرسال رسالة مفادها أن الالتزام بالميثاق أصبح خاضعاً لموازين القوى والمصلحة لا للقانون.
خيارات مجلس الأمن لمواجهة الأزمة
يقف مجلس الأمن أمام مسؤولية تاريخية تستوجب تحركاً عاجلاً عبر:
اجتماع طارئ: لمناقشة ملابسات العملية ومطالبة واشنطن بتقديم تقرير شامل عن أسسها القانونية المزعومة.
المطالبة بالامتثال: دعوة الولايات المتحدة إلى إعادة الرئيس مادورو وزوجته فوراً إلى فنزويلا، باعتبار نقلهما تم خارج إطار القانون الدولي.
تفعيل المسار القضائي: طلب فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية حول قانونية اختطاف رؤساء الدول بشكل أحادي دون تفويض دولي.
خاتمة
إن الفعل غير القانوني الذي قامت به إدارة ترمب يقوض البنية القانونية التي صممت للحؤول دون استبدال القانون الدولي بالقوة غير المقيدة. إن استجابة مجلس الأمن ستحدد ما إذا كان ميثاق الأمم المتحدة سيبقى إطاراً ملزماً أم سيغدو أداة انتقائية. لم يفت الأوان بعد لإعادة الاعتبار لمرجعية القانون الدولي، فالفراغ القيادي في قلب القارة العجوز أو النظام الأممي قد يكون الدعوة المفتوحة لأزمات لا يمكن احتواؤها.
