
برلين- لم يكن الفشل المعلن لقمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في ديسمبر/كانون الأول 2025 مجرد تعثر دبلوماسي عابر، ولم يكن الخلاف حول استخدام الأصول الروسية المجمدة محض تباين في وجهات النظر القانونية. ما شهدته أروقة بروكسل هذه المرة كان بمثابة سقوط أول لمعادلة حكمت القارة القديمة لعقود: التوافق الفرنسي-الألماني شرط مسبق لأي فعل أوروبي.
للمرة الأولى منذ توحيد ألمانيا، نجد أنفسنا أمام مشهد جيوسياسي مقلوب رأساً على عقب؛ برلين تتخلى عن حذرها التاريخي وتقود الهجوم، بينما باريس تمارس سياسة الكبح والعرقلة مدفوعة بضعف داخلي غير مسبوق. إن العلاقات بين القوتين العظميين تعيش حالة من "الطلاق الصامت" الذي يهدد بشل قدرة الاتحاد الأوروبي في منعطف تاريخي حرج.
كواليس "الانقلاب" الفرنسي وملف الأصول الروسية
جاء المستشار الألماني الجديد، فريدريش ميرتس (الذي تسلم منصبه في مايو/أيار 2025)، إلى بروكسل حاملاً مشروعاً طموحاً لاستخدام 210 مليارات يورو من الأصول الروسية المجمدة لتعويم نظام كييف. ميرتس، المدعوم بانتصار انتخابي قوي، أراد إنهاء حقبة "التردد" التي وسمت سلفه أولاف شولتس.
كان ميرتس يعتقد أنه يمتلك شريكاً موثوقاً في الإليزيه، لكن فريق إيمانويل ماكرون كان يزرع الألغام في الكواليس. الحجة الفرنسية كانت قانونية في ظاهرها، لكنها مالية في جوهرها؛ ففرنسا المثقلة بالديون لم تكن في موقع يسمح لها بتقديم "ضمانات سيادية" بمليارات اليورو. في اللحظة الحاسمة، انضم ماكرون للمعسكر الرافض، مما دفع دبلوماسياً أوروبياً للقول: "لقد خان ماكرون ميرتس.. إنه ضعيف جداً لدرجة الاختباء خلف جورجيا ميلوني".
بين "الجنرال" ميرتس و"البطة العرجاء" ماكرون
يعكس هذا التوتر تبايناً حاداً في الديناميات الشخصية:
فريدريش ميرتس: يمثل تياراً ألمانياً جديداً أكثر حزماً، لا يحمل "عقدة الذنب" التاريخية، ويرى في ألمانيا قوة يجب أن تقود وتسّلح.
إيمانويل ماكرون: يقضي النصف الثاني من ولايته الأخيرة محاصراً بلقب "البطة العرجاء"، مكبلاً ببرلمان معادٍ وصعود مخيف لليمين المتطرف.
لقد حدث تبادل أدوار كامل؛ فبينما كان الإليزيه يشكو سابقاً من ضعف برلين، أصبح لدينا الآن مستشار في برلين يريد الفعل، وباريس عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.
الاقتصاد والدفاع: ساحات حرب باردة
تجلت الهوة السحيقة في ملفين إستراتيجيين:
اتفاق "ميركوسور": تضغط ألمانيا لإتمام الاتفاق لفتح أسواق جديدة، بينما يمارس ماكرون "التخريب الدبلوماسي" لإرضاء المزارعين الفرنسيين وتجنب انفجار الشارع.
صناعات الدفاع: يترنح مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) البالغ قيمته 100 مليار يورو. تشعر برلين أن باريس تستخدم المشاريع المشتركة لإنقاذ صناعتها الوطنية دون شراكة حقيقية، مما دفع ميرتس للتلويح بشراء منظومات أمريكية أو بريطانية بديلة.
المفارقة الكبرى: أفكار فرنسية بنكهة ألمانية
من سخرية القدر أن الاتحاد الأوروبي في عام 2026 يبدو، نظرياً، أكثر "فرنسية" من أي وقت مضى؛ فأفكار "السيادة الأوروبية" و"الحمائية" أصبحت لغة برلين الرسمية. لكن المشكلة تكمن في أن التنفيذ والتمويل والقيادة أصبحت ألمانية حصراً، مما يخلق حساسية مفرطة في باريس واستياءً في برلين من "الكلمات الفرنسية" التي لا يتبعها فعل.
السيناريوهات القاتمة: "تحالف الراغبين"
الأفق لا يبشر بالخير في ظل غياب "الكيمياء" بين ميرتس وماكرون واقتراب انتخابات فرنسا 2027. قد نشهد ظهور تكتلات جديدة يقودها ميرتس مع "تحالف الراغبين" (بولندا، دول البلطيق، وبريطانيا)، مما يهمش فرنسا جيوسياسياً وينقل مركز الثقل نحو الشرق والشمال.
الخلاصة:
نحن لا نمر بـ "سحابة صيف"، بل بتغير مناخي كامل. السيناريو الأقرب هو "التعايش البارد"؛ علاقة وظيفية بحدها الأدنى بلا روح تضامنية. الخطر الحقيقي ليس في الخلاف بحد ذاته، بل في الرسالة التي يرسلها للعالم: أوروبا بلا رأس، وبلا محرك.
