إيران على حافة السماء: سباق الوقت بين التهديد الأميركي وشيخوخة القوة الجوية

أحد, 02/01/2026 - 08:31

تصاعدت في الأسابيع الأخيرة نبرة التهديد في الخطاب الأميركي تجاه طهران، حتى باتت المنطقة كلها تقف على حافة توقّع ثقيل، تُراقَب فيه ساعة الصفر بقلق، وتتحرك فيه عواصم عربية وإقليمية في سباق محموم لمحاولة نزع فتيل مواجهة قد لا تُبقي ولا تذر. تصعيدٌ لم تتضح بعد حدوده ولا كلفته، لا على النظام الإيراني ولا على شعبه، لكنه يلوح في الأفق كغيمة داكنة تتكاثف ببطء.

تقول واشنطن إن ضرباتها التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي حققت أهدافها، وإنها نجحت في تعطيل البرنامج النووي أو إعادته سنوات إلى الوراء. غير أن هذه الرواية، مهما بدت مطمئنة في ظاهرها، لم تُطفئ شهية الضغط، بل فتحت بابًا جديدًا للتصعيد، عنوانه هذه المرة البرنامج الصاروخي الإيراني، بوصفه أحد أعمدة القوة والردع لدى طهران. فالرغبة في تحجيم إيران لم تعد تقتصر على ملف واحد، بل تتجه نحو تفكيك منظومة القوة بأكملها، من الجو إلى البر.

في المقابل، لا تُبدي طهران استعدادًا للتخلي عن برنامجها الصاروخي، وتتحرك على مسارين متوازيين؛ مسار عسكري يُظهر الجهوزية ويُلوّح برد قاسٍ في حال اندلاع الحرب، ومسار سياسي دبلوماسي يترك الباب مواربًا أمام التفاوض، بشرط ما تصفه بالعدل والاحترام المتبادلين. وبين لغة السلاح ولغة السياسة، تحاول إيران كسب الوقت، أو على الأقل تحسين شروط المواجهة إن فُرضت عليها.

لكن الضجيج السياسي والعسكري يعيد إلى الذاكرة حرب “الاثني عشر يومًا”، وما كشفته من مواطن ضعف في المنظومة العسكرية الإيرانية. صحيح أن الصواريخ والطائرات المسيّرة أثبتت فاعلية لافتة، إلا أن السماء كشفت هشاشتها، حيث بدا واضحًا أن الدفاعات الجوية والطيران المقاتل لا يرقَيان إلى مستوى التحديات الحديثة. وهذه الحقيقة ليست مفاجئة لصناع القرار في طهران، بقدر ما هي جرس إنذار يتردد صداه اليوم بقوة أكبر.

تاريخ سلاح الجو الإيراني يفسّر جانبًا من هذا التراجع. فقد نشأ في بداياته الأولى في عشرينيات القرن الماضي وسط صعوبات التأسيس والتدريب، ثم عرف مرحلة بناء وتسليح واسعة في عهد الشاه بدعم غربي مباشر، قبل أن يتعرض لانكسار كبير عقب الثورة الإيرانية عام 1979. العقوبات، وقطع الغيار الشحيحة، وفقدان الخبرات، كلها عوامل راكمت الضعف، حتى بات الأسطول الجوي يعتمد على طائرات هرِمت قبل أن تُحال إلى التقاعد.

ورغم ذلك، استطاعت إيران الإبقاء على حدٍّ أدنى من الجاهزية التشغيلية، في إنجاز لا يمكن فصله عن ظروف الحصار الطويل. غير أن الواقع الإقليمي اليوم أكثر قسوة، وأقل تسامحًا مع حلول الترقيع. فالصواريخ وحدها لا تصنع مظلة دفاعية متكاملة، والردع غير المتوازن قد يفقد فعاليته حين تُنقل المعركة إلى عمق الأجواء الإيرانية.

لهذا، تبدو طهران وكأنها تُسابق الزمن. خياراتها محدودة، لكنها ليست معدومة. التوجّه شرقًا نحو موسكو وبكين يظل مطروحًا بقوة، سواء عبر اقتناء مقاتلات أحدث أو عبر تحديث ما هو قائم. غير أن السلاح، مهما بلغت حداثته، لا يعمل في الفراغ؛ فدمجه في منظومة القيادة والسيطرة، وتدريب الطيارين، وبناء عقيدة تشغيلية فعالة، كلها مسارات تحتاج وقتًا قد لا يكون متاحًا.

في الأثناء، تراهن إيران على بدائل إسعافية أقل كلفة وأكثر مرونة، وفي مقدمتها سلاح المسيّرات الذي حقق لها تفوقًا نسبيًا في مجالات الاستطلاع والضربات الدقيقة. وتذهب أبعد من ذلك بتطوير منصات بحرية قادرة على تشغيل أسراب من الطائرات غير المأهولة، في محاولة لتمديد الذراع الجوية وتعويض النقص في الطيران التقليدي.

المشهد إذن معقّد، ومفتوح على احتمالات متعددة. إيران التي اعتادت لسنوات إدارة صراعاتها عبر “الردع الأمامي” تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة الحسابات، بعدما تآكلت بعض ركائز نفوذها الخارجي. وإذا كانت قد نجحت طويلًا في التعايش مع سلاح جو متراجع، فإن ضربات تُدار من السماء، وتستهدف الداخل مباشرة، قد تفرض واقعًا جديدًا لا تُجدي معه الحلول القديمة.

بين التهديد والتفاوض، وبين الاستعداد والحذر، تقف طهران على مفترق طرق. والوقت، في لعبة الأمم، ليس دائمًا في صالح من ينتظر.

الفيديو

تابعونا على الفيس