لحظة التحوّل الكبير في تونس بقلم: صالح عطية إعلامي وكاتب سياسي تونسي

سبت, 01/31/2026 - 12:01

كلما اتجهت النخب التونسية والطبقة السياسية إلى سيناريو معين للتغيير، يتضح لاحقاً تهافته وعدم دقته. فهناك حالة من اليأس تدب بشأن مآلات الوضع التونسي، فيما يرى آخرون أن الأمور تسير نحو "تغيير دراماتيكي" تشير إليه أنباء عن خلافات داخل أروقة السلطة، وتكهنات حول صحة الرئيس قيس سعيد، دون تأكيد أو نفي رسمي.
اللافت أنه مع كل تسريب، يخرج الرئيس ليضاعف من حدة خطابه تجاه خصومه، ويرفع وتيرة التحدي بأحكام قضائية قاسية. فماذا جرى في تونس فعلاً خلال سنوات ما بعد "انقلاب 25 يوليو/تموز 2021"؟ وهل من الموضوعية القول إن سعيد لم يفعل شيئاً؟
إعادة تشكيل التحالفات الرئاسية
الوضع في تونس يشبه تلك البناية الشاهقة التي اكتشف الناس هول ما بداخلها عند سقوطها. نحن لسنا إزاء مجرد معتقلات أو أزمة اقتصادية، بل أمام "عمل عميق" استهدف إعادة تشكيل لوحة تحالفات الرئاسة عبر خمس حلقات أساسية:
القوة الصلبة: الأمن والمؤسسة العسكرية اللتان باتتا جزءاً من معادلة القصر، مستفيداً من تقاليد الانصياع للرئاسة وقوة الدستور الجديد.
اليسار الاستئصالي: الشق الراديكالي الذي لجأ للدولة بعد أن خانته صناديق الاقتراع، مستفيداً من خبرته في "هندسة الإقصاء" منذ عهد بن علي.
بقايا المنظومة القديمة: أطراف من حزب "التجمع" المنحل التي تسكنها روح الانتقام من الثورة ومن الإسلاميين.
الأحزاب القومية والوطد: التي رأت في مسار سعيد فرصة لضرب الخصوم السياسيين (خاصة النهضة) مقابل دور هامشي في الحكم.
التيار الشعبوي الجديد: مجموعات تشكلت لدعم "مشروع 25 يوليو"، ترى في الرئيس عنواناً للشفافية والوطنية.
أدوات تبديل منهج الحكم
استخدمت السلطة جملة من الأدوات لإنهاء "قوس الانتقال الديمقراطي" وإرساء نظام جديد:
تفكيك الأحزاب: عبر القطيعة التامة ورفض الحوار، ووضع القيادات المؤثرة في السجون بتهم "التآمر" و"الإرهاب".
تطويع القضاء: تحويله من سلطة مستقلة إلى "وظيفة" تابعة للسلطة التنفيذية.
ضرب الأجسام الوسيطة: استهداف المجتمع المدني المالي، وتدجين "الاتحاد العام التونسي للشغل" عبر التهديد بملفات الفساد، مما أدى لإضعافه بشكل غير مسبوق.
إعلام البروباغندا: استعادة إعلام الصوت الواحد الذي يمجد "حكمة الزعيم" ويستبعد المعارضة من الفضاء العام.
تغيير المعادلة الدبلوماسية
لم يقتصر التغيير على الداخل، بل شمل إعادة تموضع دبلوماسي ذكي:
المحور الأوروبي: نجحت فرنسا في الحفاظ على مصالحها في تونس عبر "الكيان الفرانكفوني"، فيما تعززت العلاقة مع إيطاليا (ميلوني) بفضل ملف الهجرة.
السياسة الأمريكية: استفاد سعيد من سياسة "غض الطرف" الأمريكية التي انشغلت بملفات غزة و"بزنس الثروات" عن قضايا الديمقراطية.
الانفتاح الآسيوي: التوجه نحو الصين وروسيا وإيران لم يؤثر على العلاقات التقليدية، بل استُخدم كمتنفس اقتصادي وأداة مناورة.
المحصلة الموجعة
إن التغيير البنيوي الذي أدخله قيس سعيد لا يتعلق ببعض الإجراءات القمعية فقط، بل بتغيير كامل في "لوحة القيادة" التونسية، مما أفرز:
أحزاباً مشتتة ومجتمعاً مدنياً مرتبكاً.
استعادة مشهد سياسي بلا إسلاميين (على غرار زمن بن علي).
استقالة شعبية، خاصة بين الشباب، إزاء العمل الحزبي والسياسي.
خاتمة:
الديمقراطية لا تبنى بالنوايا الطيبة، والمعارضة التونسية اليوم مطالبة ببناء "مشروع سياسي ضخم" بدلاً من الخطابات التقليدية المكررة. إن استمرار تشتت المعارضة ليس سوى إطالة لعمر الاستبداد، وإذا لم يستفق المعارضون، فسيجدون البناية قد انهارت تماماً فوق رؤوس الجميع.

الفيديو

تابعونا على الفيس