هل خيبة أمل الأكراد في سوريا واقعية؟ بقلم: كمال أوزتورك

سبت, 01/31/2026 - 11:53

أكتب هذا المقال من داخل سوريا. هناك فجوات واسعة بين ما أراه بعيني وما يقال في الرأي العام، وكثير مما يتداول لا يعكس الحقيقة. عندما دخلت حي الشيخ مقصود في حلب، حيث بدأت أول الاشتباكات بين "وحدات حماية الشعب" (YPG) والجيش السوري في 6 يناير/كانون الثاني 2026، شعرت بصدمة وحزن عميقين.
فالطرقات والشوارع والمنازل التي رأيتها كانت أشبه بمخيم للاجئين. هذا الحي الذي بقي قرابة 15 عاماً تحت سيطرة الوحدات، التي كانت تعرف نفسها ممثلاً للأكراد، بدا لي شبيهاً بمخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان؛ فقر مدقع، بنية تحتية متهالكة، وبؤس واضح على الوجوه.
أنفاق تمر من داخل المسجد
في مسجد الشيخ حسن المطل على حلب، رأيت كيف حوّل مقاتلو "وحدات حماية الشعب" بيوت الله إلى ثكنات عسكرية. كُسرت الجدران لتحويلها إلى نقاط قنص، وفي وسط المسجد تماماً، فُتحت حفرة كبيرة تؤدي إلى شبكة أنفاق معقدة ومفخخة تمتد لمئات الأمتار تحت الحي.
بدلاً من إعمار المنطقة وإصلاح الطرق وشبكات الكهرباء، أنفقت الوحدات الأموال في حفر هذه الأنفاق الطينية المظلمة. لم تكتفِ بذلك، بل حولت المستشفيات أيضاً إلى مواقع قتالية؛ حيث رأيت في أحد مستشفيات الحي آثار الرصاص والصواريخ، وسماعات طبية متناثرة بجانب ملصقات ممزقة لعبد الله أوجلان.
البؤس في حي الشيخ مقصود
لا ينبغي الاعتقاد أن كل أنحاء الحي شهدت اشتباكات، لكن البؤس والفقر كانا سمة عامة في كل الشوارع. قبل الحرب، كان يسكن هذه الأحياء عمال المنطقة الصناعية، لكن تحت إدارة الوحدات، ازداد التدهور.
اشتكى السكان الذين التقيناهم – بعيداً عن الكاميرات – من ضغط وقمع شديدين، وممارسة التمييز بين العرب والأكراد، والاعتقالات التعسفية. واشتكى المتدينون بشكل خاص من العداء الذي أبدته الوحدات تجاه المساجد والحياة الدينية. لقد أهدرت هذه الوحدات فرصة تاريخية في جغرافيا كانت تشكل ثلث سوريا تقريباً؛ فبدلاً من تقديم نموذج حكم ناجح، انشغلت بحفر الخنادق والأنفاق.
أخطاء التصور العالمي حول "وحدات حماية الشعب"
يسود في العالم تصور خاطئ بأن الأكراد يشكلون قوة كبرى موحدة في سوريا تحت راية "قسد"، لكن الواقع الميداني مختلف تماماً:
هشاشة التحالفات: العشائر العربية في الرقة ودير الزور انضمت لـ "قسد" بضغوط أمريكية وأسباب مادية، ولم تكن يوماً خاضعة أيديولوجياً للوحدات.
تضخيم الأرقام: الادعاء بأن القوات المسلحة وصلت إلى 100 ألف جندي كان مجرد بروباغندا إعلامية لا تعكس الواقع.
الفساد المالي: اتُّهم قادة الوحدات بتهريب مليارات الدولارات من عائدات النفط والضرائب إلى الخارج، بينما يزداد الشعب فقراً.
كيف تغيرت السيطرة بهذه السهولة؟
إن السقوط السريع لسيطرة الوحدات في الرقة ودير الزور لم يكن مفاجئاً للمراقبين. فقد انتهج الرئيس أحمد الشرع سياسة ذكية ببناء علاقات دافئة مع العشائر العربية. وعندما أمرت قيادات "العمال الكردستاني" في جبال قنديل ببدء الاشتباكات في حلب، أعلنت العشائر انسحابها فوراً من "قسد" وانضمامها للحكومة في دمشق.
وصفت الوحدات هذا التحول بـ "الخيانة"، لكن الحقيقة أن الناس – بمن فيهم الأكراد الوطنيون – غيروا مواقفهم هرباً من الظلم والتمييز العنصري الذي مارسته الوحدات ضد كل من لا يتبنى أيديولوجيتها.
لماذا تخلت واشنطن عن "قسد"؟
واجه مظلوم عبدي صدمة كبرى عندما أعلن المبعوث الأمريكي، توم برّاك، انتهاء العمل مع "قسد" والتعاون مع الحكومة السورية. رأت واشنطن أن الاستمرار في دعم تنظيم معزول لم يعد منطقياً في ظل وجود قيادة قوية في دمشق تحظى بدعم إقليمي واسع من تركيا والسعودية وقطر.
الخلاصة:
ليس الأكراد السوريون هم من يجب أن يصابوا بخيبة الأمل؛ فغالبية الأكراد متدينون ويرفضون الأيديولوجيا الاشتراكية للوحدات التي حولت مساجدهم إلى متاريس. خيبة الأمل الحقيقية هي نصيب "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني" الذين فشلوا في قراءة المرحلة، وفشلوا في بناء المدن، وفشلوا في كسب قلوب الناس.

الفيديو

تابعونا على الفيس