
هل سينجح "مجلس السلام" الذي يقوده الرئيس دونالد ترمب في تحقيق أهدافه في إعادة إعمار قطاع غزة، ونزع أسلحة المقاومة، وضمان الانسحاب الإسرائيلي مما تبقى من القطاع، وفق تصورات خطة ترمب، خلال السنتين الممنوحتين له لإنجاز عمله في غزة؛ أم أنه سيفقد اندفاعته، ويتآكل في محتواه، وينشغل في إدارة الصراع وليس بحله، وبتوفير مبررات بقاء الاحتلال وليس بالترتيبات الفعالة لانسحابه؟!
وبالتالي يتحول في النهاية إلى "بطة عرجاء" فاقدة لمبررات وجودها، بانتظار انفجار الأوضاع من جديد.
زخم سياسي ومنطق القوة
اكتسب "مجلس السلام" الذي أعلن عنه ترمب زخمه السياسي والعملي، ليس لكونه يقدم حلاً عادلاً، ولا لكونه يضع مساراً متوافقاً عليه فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً ودولياً؛ ولكن لأن الكثيرين رأوا فيه حداً أدنى لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية، ووقف التدمير المنهجي، ووقف مشاريع تهجير أبناء قطاع غزة، وباباً لتقديم المساعدات لأهل غزة وإعادة الإعمار.
لم يكن مشروعاً سياسياً متكاملاً ولا خريطة طريق لمسار تسوية؛ ولكنه اكتسب قوة دفعه من وقوف الولايات المتحدة خلفه، ومن ترمب وطبيعته الشخصية، وقدرته على الضغط على الطرف الإسرائيلي والأطراف العربية والإسلامية والدولية.
لم يكن أحد يرغب في مواجهة ترمب وغضبه وانتقامه، وراهنت قوى عربية ودولية على الاستفادة من اندفاعته، ثم امتصاص زخمها؛ ومحاولة إعادة توجيه بعض المسارات مع مرور الوقت ومع الدخول في التفاصيل، حيث قد تكون ثمة فرصة لتعامل أكثر واقعية من ترمب، المحب بطبيعته للإنجاز السريع؛ مع ملفات نزع أسلحة المقاومة والإغاثة والإعمار وفتح المعابر، ودور السلطة الفلسطينية، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي.
كان معيار "كف الشر" الإسرائيلي، وتجنب الغضب الأمريكي أساسياً في تمرير الخطة وأخذ غطاء دولي لها بقرار مجلس الأمن رقم 2803 في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025. ولكن ليس ثمة فرص نجاح كبيرة لخطة تحمل أبعاداً زمنية متوسطة أو بعيدة المدى، إذا كان جوهر الترحيب بها مستنداً إلى معالجة قضايا ميدانية عاجلة، لا حلول مستدامة!
ثغرات وهشاشة بنيوية
لا يقف مجلس السلام على أرض صلبة، وهو معرض للاهتزاز والسقوط مع مرور الزمن، ومع الممارسة على أرض الواقع. ويمكن اختصار أبرز الثغرات فيما يلي:
إشكالية التعريف والهوية والدور: أعلن عن مجلس السلام في البداية كهيئة إدارية انتقالية دولية وكجزء من الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب على غزة، تقوم بوضع الإطار العام لإعادة إعمار غزة، وتنسيق التمويل الدولي، والإشراف على لجنة التكنوقراط والمجلس التنفيذي. غير أن ترمب عندما وقع ميثاق المجلس في دافوس، قام بإعادة تعريفه وتوسيعه باعتباره منظمة دولية لفض النزاعات، ولم يذكر غزة فيه بشكل صريح ولو لمرة واحدة.
السلطة المطلقة والمزاجية: المجلس لا يعطي قيادة منفردة للولايات المتحدة فقط، وإنما يعطي أيضاً لشخص ترمب نفسه صلاحيات استثنائية، ويربط القرارات بمزاجيته، ليبدو أقرب إلى "إدارة دكتاتورية" منه إلى إدارة دولية محترمة.
الافتقار للشرعية الدولية والقانونية: المجلس ليس منبثقاً عن الأمم المتحدة، ولا يستند إلى القرارات الدولية أو القانون الدولي، مما يجعله مرتعاً للمزاجية ولمنطق القوة، وينتقل من منطق حل النزاعات إلى إدارة الصراعات.
غياب الشرعية الفلسطينية: يُنظر إليه كمجلس وصاية استعماري فوقي، يفرض على الفلسطينيين فرضاً، ويتجاهل مؤسسات التمثيل الفلسطيني كمنظمة التحرير. كما أنه يفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ويستفرد بالقطاع بعيداً عن إرادة الشعب الفلسطيني.
مكافأة الاحتلال ومعاقبة الضحية: بينما يتم الضغط لنزع سلاح المقاومة، يبقى الانسحاب الإسرائيلي خاضعاً للمعايير والمزاج الإسرائيلي. بل والأخطر هو عضوية الكيان الإسرائيلي في "مجلس السلام"، ليصبح من دمروا غزة شركاء في هندسة مستقبلها.
أزمات ترمب وتأثيرها
أشار الكاتب ديفيد بروكس في "نيويورك تايمز" إلى أربعة انهيارات يعيشها العالم والولايات المتحدة بسبب سياسات ترمب: انهيار النظام الدولي، الاستقرار الداخلي، النظام الديمقراطي، وتفكك عقل الرئيس نفسه. هذا المناخ لا يوفر بيئة مستقرة لعمل "مجلس السلام"، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية التي قد تضعف قبضة الحزب الجمهوري.
السيناريوهات المستقبلية
النجاح الشكلي المحدود: تحقيق إنجازات في الإغاثة والإعمار الشكلي مع استمرار الانسداد في ملفات الانسحاب والسيادة.
التآكل التدريجي: وهو المرجح، حيث يفقد المجلس بريقه مع تصاعد الأزمات الداخلية لترمب والتعنت الإسرائيلي، مما يعيد المنطقة لمربع المواجهة.
تقاسم الأدوار والمصالح: عقد صفقات كبرى بين واشنطن وموسكو وبكين (أوكرانيا، تايوان، الشرق الأوسط) على حساب القضايا العادلة، وهو سيناريو يذكر بنظام توازن القوى الاستعماري في القرن التاسع عشر.
خاتمة:
يحمل مجلس السلام بذور فشله في أحشائه، وهو أقرب لأن يكون أداة لـ "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها. ومع تآكل دوره تدريجياً، سيبقى صراع الإرادات على الأرض هو الحاسم في رسم مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
