
تسببت تصريحات وتحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بجزيرة غرينلاند في تصاعد القلق داخل العواصم الأوروبية، في ظل إصرار واشنطن على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة لتعزيز نفوذها في الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي في القطب الشمالي، بما في ذلك وسائل الضغط السياسي والاقتصادي.
ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أوروبيين أن أمين عام حلف شمال الأطلسي، مارك روته، يعتقد بإمكانية التوصل إلى تسوية تمنح الإدارة الأميركية مخرجًا سياسيًا، عبر ترتيبات لا تصل إلى حد الضم، من بينها إعادة النظر في اتفاقية التعاون الموقعة عام 1951 بين الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند، مع تقديم ضمانات تحد من النفوذ الصيني في الجزيرة.
وفي سياق متصل، أقرّ ترامب خلال اتصال مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتلقيه معلومات غير دقيقة حول وجود قوات أوروبية في غرينلاند، في خطوة رأت فيها لندن مؤشرا محدودا على تهدئة محتملة، وإن لم تبدد المخاوف الأوروبية بالكامل.
من جهتها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الإدارة الأميركية مستعدة لتنفيذ أي مسار يختاره الرئيس لتحقيق أهدافه في غرينلاند، معتبرة أن الملف يندرج ضمن رؤية ترامب لتغيير التوازنات القائمة وعدم الاكتفاء بالحفاظ على الوضع الراهن.
وتشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين داخل فريق الرئيس الأميركي بشأن أفضل السبل للتعامل مع الملف، إذ يفضّل بعض المستشارين تعزيز الشراكة الإستراتيجية والتعاون الأمني بدل المضي نحو سيناريو الضم الكامل.
في المقابل، حذّر مسؤولون أوروبيون من أن الخطاب التصعيدي لترامب يهدد العلاقات عبر الأطلسي، وسط مخاوف من استخدام ملفات دولية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا، كورقة ضغط لانتزاع تنازلات تتعلق بغرينلاند.
وتزايدت حدة التوتر بعد تلويح واشنطن بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، من بينها الدانمارك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة، وهي تهديدات انتقلت من الطرح النظري إلى تحديد مواعيد زمنية محتملة للتنفيذ.
ميدانيًا، أعلنت قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية عن وصول طائرات عسكرية إلى غرينلاند للمشاركة في أنشطة وصفت بأنها مبرمجة منذ فترة، مؤكدة أن هذه التحركات جرت بالتنسيق مع الدانمارك وبالتصاريح الدبلوماسية اللازمة، وتهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول المعنية.
وفي أوروبا، دعا الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد الحوار مع الاستعداد لاستخدام أدوات الرد المناسبة إذا مضت واشنطن في تنفيذ تهديداتها التجارية، فيما تقرر عقد قمة أوروبية طارئة في بروكسل لبحث تطورات الأزمة.
من جهته، جدّد رئيس وزراء غرينلاند تمسك الإقليم بسيادته وحقه في تقرير مصيره، في وقت اقترحت فيه الدانمارك، بالتنسيق مع حلف الناتو، إرسال بعثة مراقبة إلى الجزيرة في محاولة لاحتواء التصعيد.
ويرى مراقبون أن إصرار ترامب على هذا الملف، الذي طُرح لأول مرة خلال ولايته السابقة، بات يشكل أحد أكثر ملفات الخلاف حساسية بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل تداخل الحسابات الأمنية والاقتصادية، واحتمال انتقال الأزمة من مربع التهديد إلى مواجهة سياسية وتجارية مفتوحة.
