عرض ترامب الملغوم للإيرانيين بيلين فرنانديز

سبت, 01/17/2026 - 21:01

يوم السبت 10 يناير/كانون الثاني الجاري، وبعد أقل من أسبوعين على اندلاع الاحتجاجات التي تجتاح إيران، لجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منصته المفضلة على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالة دعم قال فيها:
«إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم تفعل من قبل. الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة!!! الرئيس دونالد ج. ترامب».
وكما هو معتاد، فإن أسلوب ترامب في استخدام الأحرف الكبيرة، وإفراطه في علامات التعجب، يبدوان أقرب إلى أسلوب شاب لم يبلغ العشرين منه إلى قائد القوة العظمى العالمية. غير أن وعد «المساعدة» الأميركية يثير إشكاليات أعمق وأكثر خطورة بكثير.
فمع وعود ترامب الأخيرة، يصعب عدم التساؤل عما إذا كان يستعير صفحة من دفتر السياسات القديم للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، مهندس «الحرب على الإرهاب»، وواجهة إدارة كرّست نفسها لنشر الأيديولوجيا النيوليبرالية الجديدة (المحافظين الجدد) التي طالما ادعى ترامب معارضتها بشدة.
بادئ ذي بدء، لا تُعد «المساعدة» اختصاصًا للولايات المتحدة أصلًا، ولا سيما تحت قيادة الرجل الذي قصف إيران في الصيف الماضي، بعد وقت قصير من عودته إلى السلطة، رغم تعهده بإبقاء بلاده خارج الحروب الخارجية.
إضافة إلى ذلك، يتحمل ترامب مسؤولية الإبقاء على نظام عقوبات خانق مفروض على الجمهورية الإسلامية، أسهم في تغذية معدلات التضخم المرتفعة التي أشعلت الاحتجاجات الحالية من الأساس. وكما هو الحال دائمًا في هذا النوع من الحروب الاقتصادية، فإن الفئات غير النخبوية هي التي تدفع الثمن الأكبر.
وفضلًا عن كونه خروجًا عن منطلق «أميركا أولًا»، فإن عرض ترامب «مساعدة» الإيرانيين يمثل تحولًا في الخطاب الرئاسي تجاه بلد طالما جرى تقديمه في صورة العدو المطلق.
في السابق، ركّز الخطاب الترامبي على ما يُزعم أنه سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية وصواريخ باليستية مزودة برؤوس كيميائية وبيولوجية، وقد سُوّق ذلك باعتباره تهديدًا خطيرًا لا للولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا لحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل.
لكن ترامب يبدو اليوم في وضعية «المنقذ»، إذ حذّر هذا الشهر قائلًا: «إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، كما هي عادتها، فإن الولايات المتحدة ستأتي لإنقاذهم».
وفي يوم الثلاثاء، طمأن ترامب المتظاهرين الإيرانيين بأن «المساعدة في الطريق»، من دون أن يوضح ماهية هذه المساعدة. وسارعت وسائل الإعلام الأميركية اليمينية إلى مواكبة هذا الخطاب بعناوين من قبيل: «ترامب أمام فرصة تاريخية للمساعدة في إسقاط النظام الإيراني المعادي لأميركا».
من جهته، انضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى هذا الخطاب، مؤكدًا أن إسرائيل تدعم «نضال المتظاهرين الإيرانيين من أجل الحرية»، وهو تصريح لافت صادر عن شخص يشرف منذ أكثر من عامين على إبادة الفلسطينيين.
في جوهرها، تهدف أيديولوجيا المحافظين الجدد إلى إحداث فوضى عسكرية في أنحاء العالم، مستخدمة ترويج الديمقراطية وشعارات إنسانية ظاهرية كذريعة لتوسع إمبريالي دموي.
ورغم أن ترامب نجح سابقًا في استمالة ناخبين عبر تعهده بالتخلي عن هذه المغامرات الخارجية والتركيز على الانكفاء الداخلي، فإن هذه النزعة، على ما يبدو، عصية على الاختفاء.
وتستحضر رئاسة ترامب، في نواحٍ عديدة، رئاسة جورج دبليو بوش؛ فكلا الرجلين يتسمان بسلوكيات هزلية، وعلاقة إشكالية مع اللغة، كانت لتكون مسلية لولا حمامات الدم التي أشرف كل منهما عليها. كما أبدى كلاهما حماسة مفرطة للاستناد إلى الخطاب الديني في مساعيهما التدميرية.
وعلى الرغم من معارضة ترامب المعلنة لسياسة تغيير الأنظمة، فإنه خلال عامه الأول بعد عودته إلى السلطة قصف عددًا من الدول، واعتقل رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
وفي سياق متصل، اقترح عضو الكونغرس راندي فاين، عبر منصة «إكس»، «تمديد تجربة مادورو» لتشمل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في تعبير يعكس استخفافًا فجًا بسيادة الدول.
لكن في الوقت الذي يعد فيه ترامب اليوم بأن الولايات المتحدة «مستعدة للمساعدة»، يجدر التذكير بمحطات سابقة من هذه «المساعدة»، مثل انقلاب عام 1953 الذي دبرته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ضد رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق، وهو انقلاب مهد لعقود من حكم الشاه القمعي، قبل أن تطيح به الثورة الإيرانية عام 1979.
والمفارقة أن نجل الشاه الراحل ينشط اليوم، من منفاه المترف خارج واشنطن، في الدعوة إلى تدخل أميركي جديد في إيران.
في المقابل، قد يكون ترامب أدرك أن «مساعدة» شعوب أخرى تصلح وسيلة لصرف الأنظار عن أزمات ديمقراطية متفاقمة داخل الولايات المتحدة نفسها، التي تشهد تحولات مقلقة نحو دولة بوليسية مكتملة الأركان.
ومع استمرار ترامب في استحضار إرث بوش، فإن آخر ما يحتاجه الإيرانيون اليوم، على الأرجح، هو أن «تأتي الولايات المتحدة لإنقاذهم».

الفيديو

تابعونا على الفيس