اليمن القادم: هل تنقذه اللامركزية من إعادة إنتاج الصراع؟ د. عدنان سيف

سبت, 01/17/2026 - 20:50

في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها اليمن، ومع تصاعد التطورات الأخيرة في جنوب وشرق البلاد، وعودة الدعوات إلى حوار جنوبي–جنوبي بوصفه مدخلاً لإعادة ترتيب ما يُعرف بـ«القضية الجنوبية»، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الجنوب إلى كامل الجغرافيا اليمنية: أي شكل من أشكال الحكم يمكنه أن يمنع إعادة إنتاج الصراع، ويؤسس لدولة مستقرة وقابلة للحياة؟
يقف اليمنيون اليوم أمام تحدٍ مزدوج: إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، ومنع تكرار دورات الانهيار التي عرفتها البلاد حديثًا، وفي محطات تاريخية سابقة.
وفي الحالة اليمنية، يختلط النقاش حول اللامركزية بالنقاش حول شكل الدولة نفسها: هل هي دولة اتحادية متعددة الأقاليم؟ أم دولة بسيطة بصلاحيات موسعة للمحافظات؟ أم ترتيبات انتقالية خاصة ببعض المناطق، مثل الجنوب، في انتظار تسوية وطنية شاملة؟
في هذا السياق، تُطرح اللامركزية – بأشكالها المختلفة – كخيار جذاب، بل وضروري في نظر كثيرين، وهو ما أقرّه مؤتمر الحوار الوطني قبل أكثر من عقد، حين تبنّى خيار الأقاليم الستة. غير أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت اللامركزية مطلوبة، بل أي لامركزية، وتحت أي شروط، وبأي سقوف سياسية ووطنية.
فاللامركزية، في جوهرها، تعني نقل جزء من الصلاحيات السياسية والإدارية والمالية من السلطة المركزية إلى سلطات محلية منتخبة أو متوافق عليها، تعمل ضمن إطار دستوري وطني واضح. وهي ليست نموذجًا واحدًا، بل طيف واسع يبدأ باللامركزية الإدارية، ويمر بالمالية، وقد يصل – في بعض التصورات – إلى أشكال من الحكم الذاتي أو الفدرالية.

بين المركز والأطراف: أزمة السلطة التاريخية
لم يكن الصراع في اليمن يومًا مجرد نتاج آني لأحداث 2011 أو انقلاب 2014، بل هو امتداد لاختلالات بنيوية عميقة في شكل الدولة نفسها. فمنذ قيام النظام الجمهوري في كلا الشطرين، عانى اليمن من مركزية شديدة في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، تركزت في العاصمة، وأُديرت عبر شبكات نفوذ عسكرية وقبلية وسياسية، ما أدى إلى تهميش واسع للمحافظات والمناطق الطرفية.
وفي هذا السياق، يستحضر كثيرون الوصف المنسوب للرئيس الراحل علي عبدالله صالح، حين شبّه حكم اليمن بـ«الرقص على رؤوس الثعابين».
هذه المركزية، المقترنة بضعف المؤسسات وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، أدت إلى تراكم مظالم تاريخية، كان أبرز تجلياتها القضية الجنوبية، ثم لاحقًا انفجار الصراعات المناطقية والطائفية، وصولًا إلى الحرب الشاملة. ومع الانقسام الحالي بين سلطات أمر واقع متعددة، بات سؤال «من يحكم؟» لا يقل أهمية عن سؤال «كيف يُحكم؟».

التنوع اليمني: فرصة أم حقل ألغام؟
يتميّز اليمن بتنوع جغرافي واجتماعي ومذهبي وقبلي واضح، يمتد بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، والساحل والمرتفعات والصحراء، والمراكز الحضرية والأرياف. وكان يمكن لهذا التنوع أن يشكّل مصدر غنى وقوة، غير أنه تحوّل، في ظل الدولة المركزية الضعيفة، إلى عامل توتر وصراع، خصوصًا مع غياب التمثيل العادل والمشاركة السياسية الحقيقية.
ويزيد من تعقيد المشهد محاولة القفز على الواقع والتاريخ؛ فاليمن كان دولتين قبل الوحدة، والجنوب كان مستعمرة ومحميات متعددة قبل خروج الاستعمار البريطاني. وفي ظل غياب إحصاءات سكانية دقيقة، وصعوبة الحديث عن توزيع سكاني أو اقتصادي متوازن بين المحافظات، يصبح أي نقاش حول اللامركزية محفوفًا بالمخاوف: هل ستُمكّن المجتمعات المحلية، أم ستكرّس الانقسام وتحول المحافظات إلى كيانات متنافسة؟

اللامركزية كحل… وشروط النجاح
كما في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، غالبًا ما تُقدَّم اللامركزية كأداة لتقريب السلطة من المواطنين، وتحسين الخدمات، وتقليل فرص العودة إلى العنف. غير أن تبنّي هذا الخيار في اليمن لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة، بل مشروط بعدة عوامل أساسية.
أولًا: وجود سلطة مركزية شرعية وقادرة
فالمفارقة أن نجاح اللامركزية يتطلب مركزًا قويًا، لا مركزًا غائبًا أو منهارًا. فدون حكومة تمتلك احتكارًا نسبيًا لاستخدام القوة، وقدرة على التنسيق والرقابة وإعادة التوزيع المالي، قد تتحول اللامركزية إلى غطاء للفوضى أو التفكك.
ثانيًا: وطنية الفاعلين السياسيين
فاللامركزية السياسية في بيئة تهيمن عليها قوى ذات مشاريع مناطقية أو انفصالية قد تفتح الباب أمام تكريس الانقسام بدل إدارته، وهو تحدٍّ حاضر بقوة في المحافظات الجنوبية والشرقية.
ثالثًا: وضوح الصلاحيات وتدرّج التطبيق
يجب التمييز بين اللامركزية الإدارية التي تركز على تحسين الخدمات، واللامركزية السياسية التي تمنح سلطات تشريعية وتنفيذية محلية. وفي السياق اليمني، يبدو التدرّج والبدء بالإدارة المحلية وتعزيز الموارد خيارًا أكثر أمانًا من القفز إلى ترتيبات سياسية معقدة.

الجنوب واللامركزية: بين الحوار والمخاطر
تأتي الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي في لحظة حساسة، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الانقسام الداخلي، كما ظهر في أحداث حضرموت، لا يقل خطورة عن الخلاف مع الشمال. ويمكن لهذا الحوار أن يشكّل فرصة لإعادة تعريف المطالب الجنوبية في إطار أكثر شمولًا وواقعية.
غير أن ربط اللامركزية حصريًا بالجنوب، أو تقديمها كحل خاص بمنطقة دون أخرى، يحمل مخاطر واضحة. فاللامركزية إذا لم تُطرح كمشروع وطني شامل، قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع، سواء بين الجنوب وبقية البلاد، أو داخل الجنوب نفسه.
كما أن مسألة الموارد تبقى من أكثر القضايا حساسية، إذ تختلف المحافظات اليمنية بشكل كبير في قدراتها الاقتصادية، ما يستوجب آليات واضحة لإعادة التوزيع المالي، تضمن حدًا أدنى من العدالة في الخدمات الأساسية، وهو أمر لا يتحقق إلا بوجود سلطة مركزية قادرة.

خلاصة: اللامركزية ليست بديلاً عن الدولة
تُظهر التجارب المقارنة أن الحوارات الداخلية في الدول الخارجة من النزاعات يمكن أن تكون مدخلًا للاستقرار أو بوابة لصراع جديد، بحسب درجة شمولها. فقد أثبتت حالات مثل ليبيا وجنوب السودان أن حصر الحوار في النخب أو القوى المسلحة يؤدي إلى اتفاقات هشة، بينما ساعد إشراك فاعلين اجتماعيين أوسع – كما في نيبال وإقليم آتشيه – على تحقيق استقرار نسبي.
وفي اليمن، فإن تجاهل التنوع السياسي والمناطقي، أو اختزال التمثيل في فاعل واحد، قد يعيد إنتاج مظالم داخلية لا تقل خطورة عن تلك التي نشأت مع المركز.
إن اللامركزية ليست عصا سحرية، ولا بديلاً عن إعادة بناء الدولة، بل أداة من أدواتها. وإذا أُسيء تصميمها أو تطبيقها في ظل انقسام سياسي وأمني حاد، فقد تسهم في تعميق الصراع بدل معالجته.
الرهان الحقيقي لليمن يكمن في بناء عقد وطني جديد، يعترف بالتنوع، ويعالج المظالم، ويعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل ضمن دولة واحدة، مهما اختلف شكلها. عندها فقط، يمكن للامركزية المدروسة أن تكون جسرًا نحو الاستقرار، لا طريقًا آخر نحو التفكك.

الفيديو

تابعونا على الفيس