آثار اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال على القرن الأفريقي ياسر يوسف إبراهيم

سبت, 01/17/2026 - 20:43

إن كانت هناك ميزة إيجابية واحدة لقرار إسرائيل الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة مستقلة، فهي انكشاف مخططاتها في المنطقة بصورة جلية، على نحو غير مسبوق.
ولعل تغريدة الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين على منصة “إكس” تختصر جوهر المشروع الإسرائيلي في هذه المرحلة، إذ قال:
“من يظن أن شوية مفرقعات للألعاب النارية التي سقطت في ميناء المكلا قبيل ليلة رأس السنة ستنهي مشروع إعادة دولة الجنوب فهو أبله. دولة الجنوب، ودولة الفاشر، ودولة الجفرة وسرت ستقوم، وإن رغمت الأنوف الراغمة.”
إن الفهم الصحيح لقرار إسرائيل بشأن إقليم أرض الصومال ينطلق من استيعاب طبيعة مشروعها الصهيوني التوسعي في المنطقة، الذي يرى أن حدود إسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، ويؤكد مضيّها في تنفيذ واحدة من أخطر وثائقها الإستراتيجية، وهي وثيقة “كيفونيم”، التي تضع تصورًا لتفكيك دول المنطقة وتقسيمها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة خطوة الاعتراف بإقليم أرض الصومال ضمن سياق أوسع يستهدف الدول العربية، فرادى وجماعات، كما يجب النظر إليها من زاوية خطورة تداعياتها على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وعلى الدول المطلة على هذا المجال الحيوي. إذ يؤسس هذا الاعتراف لسابقة خطيرة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة الدولة، وتعدد الصراعات الإثنية، وضعف التماسك الوطني، ويفتح الباب أمام جماعات متمردة – في السودان، وليبيا، واليمن، وربما إثيوبيا وكينيا – لإعلان الانفصال، ثم البحث عن اعتراف دولي يتجاوز القوانين والمؤسسات الدولية.
وعلى الرغم من أن التواصل بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال ليس وليد اللحظة، فإن تل أبيب ترى في الظرف الراهن فرصة سانحة للتقدم خطوة إضافية في مشروعها الإقليمي الكبير.

أرض الصومال: الموقع والأهمية
يحتل إقليم أرض الصومال موقعًا إستراتيجيًا بالغ الحساسية على خليج عدن والبحر الأحمر، بساحل يبلغ طوله نحو 460 ميلًا، ويقع على مدخل مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة الدولية، بما يقدّر بـ790 مليار دولار، وقرابة 40% من التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك النفط الخليجي.
ويمثل ميناء بربرة، الواقع في الإقليم، شريانًا اقتصاديًا مهمًا، كونه من أكبر الموانئ على خليج عدن. وقد دفعت هذه الأهمية بريطانيا إلى احتلال المنطقة منذ عام 1887 حتى عام 1960، حين استقلت “جمهورية أرض الصومال” قبل أن تتحد طوعًا مع الصومال الخاضع آنذاك للاحتلال الإيطالي.
غير أن سوء الإدارة، واستبداد نظام الرئيس محمد سياد بري، أفرزا حالة من الإحباط تجاه الوحدة، انتهت بإعلان الإقليم انفصاله من طرف واحد عام 1991 عقب انهيار الدولة المركزية. ومنذ ذلك الحين، ظل الإقليم يسعى بلا كلل إلى نيل اعتراف دولي يكرّسه دولة مستقلة عن الصومال الفدرالي.

الدور الأميركي واللوبيات الداعمة
امتلك إقليم أرض الصومال جاليات نشطة في الخارج، لا سيما في الولايات المتحدة، عملت على مدى سنوات للضغط من أجل الاعتراف به. وقد برز هذا التوجه بوضوح حين ورد ذكر “جمهورية أرض الصومال” في مشروع “2025” الذي أعدته نخبة من الجمهوريين المحافظين المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإشراف من مؤسسة “هيريتيج فاونديشن”.
ورغم تنصل ترامب آنذاك من المشروع، فإن الوقائع تشير اليوم إلى أن كثيرًا من مضامينه باتت جزءًا من التحركات السياسية للإدارة الأميركية.
فقد دعت الأكاديمية كارين كيه إلى الاعتراف بالإقليم، معتبرة أن مواجهة النفوذ الصيني في أفريقيا تستدعي تطوير أدوات دبلوماسية جديدة، وأن الاعتراف بأرض الصومال يشكل “تحوطًا” ضد تراجع النفوذ الأميركي في جيبوتي.
وتحولت هذه الرؤية لاحقًا إلى مشروع قرار قدمه النائب سكوت بيري إلى الكونغرس، مستندًا إلى ثلاث حجج رئيسية:
استقرار الإقليم طوال ثلاثة عقود،
أهميته الإستراتيجية والأمنية،
التزامه النسبي بالمسار الديمقراطي.
وهي المبررات ذاتها التي تروّج لها النخبة الإسرائيلية. فقد كتب الصحفي الإسرائيلي نادان فيلدمان في صحيفة “هآرتس” مقالًا قارن فيه بين إسرائيل وأرض الصومال، معتبرًا أنهما “ديمقراطيتان صغيرتان ضعيفتان، محاطتان بأنظمة استبدادية وحروب مدمرة، وتواجهان إشكاليات سيادية مع المجتمع الدولي”.
وفي يناير من العام الماضي، شارك رئيس إقليم أرض الصومال السابق في فعالية نظمتها “هيريتيج فاونديشن” بواشنطن، أعقبها تقديم النائب الجمهوري جيم ريتش مشروع قرار للاعتراف بالإقليم، مرّ هذه المرة عبر لجنة العلاقات الخارجية بدعم من الحزبين.
ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت إدارة ترامب ستقدم على الاعتراف رسميًا، نظرًا لتعقيدات الملف وتأثيره المباشر على حلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم السعودية ومصر، في مقابل الضغوط التي تمارسها إسرائيل لدفع الإدارة إلى اتخاذ هذه الخطوة.

تداعيات الاعتراف الإسرائيلي
يمكن فهم دوافع إسرائيل في ضوء ما كشفت عنه حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول من تحديات أمنية غير مسبوقة، كان أبرزها القلق الذي أثارته صواريخ الحوثيين على الأمن الإسرائيلي.
وتعتقد تل أبيب أن اللحظة الحالية مواتية للتقدم في مشروعها، مستندة إلى انقسام عربي عميق، ودعم أميركي غير مسبوق، وسعي حكومة نتنياهو إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، عبر تطويق السعودية بالمخاطر، وتوجيه رسائل مباشرة للمتمردين في السودان وليبيا.
وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى تطوير بنية استخباراتية متقدمة تتيح لها مراقبة الممرات المائية والتحكم فيها، خاصة مع الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية في الإقليم بدعم من أطراف إقليمية.
وقد شكّل هذا القرار تهديدًا مباشرًا لدول عديدة، أبرزها السعودية، وتركيا، والصومال، وإريتريا، ومصر، والصين، إضافة إلى السودان. وتبقى إثيوبيا الدولة الوحيدة في المنطقة التي قد تنخرط في هذه الترتيبات، مدفوعة بسعيها المحموم إلى منفذ بحري، رغم ما تحمله هذه الخطوة من مخاطر داخلية عليها، في ظل أقاليم مضطربة مثل أوغادين وتيغراي.
أما السعودية ومصر، فيتركز قلقهما على أمن الممرات الدولية ومحيطهما الإستراتيجي، في حين ترى إيران والحوثيون في الخطوة استهدافًا مباشرًا لهم. كما تنظر الصين وتركيا إليها باعتبارها تهديدًا لاستثماراتهما ونفوذهما في المنطقة، حيث تحتفظ كلتاهما بقواعد عسكرية وعلاقات متينة في الصومال.

خاتمة
لقد أقدمت إسرائيل على خطوة بالغة الخطورة، لكنها – من حيث لا تحتسب – أسهمت في تهيئة بيئة لتشكّل تحالفات إقليمية جديدة، بدأت ملامحها تظهر بين تركيا والسعودية ومصر، في ملفات غزة والسودان واليمن.
وفي حال تماسك هذا التحالف وتوسيعه، فمن المرجح أن تتغير موازين القوى في أكثر من ساحة، وأن يتم إفراغ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال من مضمونه، وربما تأجيل أي اعتراف أميركي مماثل.
وفي مواجهة هذه الأزمة، تبقى الدول العربية المؤثرة مطالبة ببذل جهد جاد لإسناد الصومال الأم، ومدّ الجسور معه سياسيًا وتنمويًا، على غرار الدور التركي الذي نجح سابقًا في احتواء التوتر بين الصومال وإثيوبيا. وهو دور طال غيابه عربيًا، في وقت كان الصومال وأهله في أمسّ الحاجة إلى الدعم.

الفيديو

تابعونا على الفيس