من أزمات الداخل إلى صراعات الخارج: كيف توظف واشنطن الطاقة والمعادن لإدارة مأزقها الاقتصادي

أربعاء, 01/14/2026 - 09:05

لم تعد التحركات الأميركية على الساحة الدولية مجرد تعبير عن سياسة خارجية تقليدية، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لأزمات داخلية متراكمة، اقتصادية وسياسية واجتماعية، تدفع واشنطن إلى البحث عن مخارج خارج حدودها. ففي ظل تصاعد الديون، وتراجع الثقة الشعبية، وتآكل القوة الشرائية، تتحول الموارد العالمية إلى أدوات إنقاذ مؤقتة تؤجَّل بها مواجهة الخلل البنيوي في الداخل الأميركي.
وتشير القراءة المتأنية للسياسات الأميركية الأخيرة إلى أن التصعيد الخارجي لم يعد خيارًا استثنائيًا، بل أضحى جزءًا من إدارة الأزمة. فبدل معالجة أسباب الاختناق الاقتصادي، يجري توجيه الأنظار نحو “خصوم” خارجيين، تُضخَّم أخطارهم وتُربط بهم الإخفاقات الداخلية، في عملية سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي وصرف الغضب الشعبي.
ضمن هذا الإطار، تبرز قضايا مثل فنزويلا، وغرينلاند، وإيران، وغيرها، لا كملفات معزولة، بل كساحات صراع على الطاقة والمعادن والممرات الاستراتيجية. فواشنطن، التي تواجه ديونًا تقترب من أربعة أضعاف ناتجها المحلي، وتكاليف خدمة دين تلتهم جزءًا متزايدًا من ميزانيتها، تبحث عن موارد منخفضة الكلفة ومضمونة النفوذ لتخفيف الضغط عن اقتصادها المتباطئ.
اقتصاديًا، لا تزال الولايات المتحدة تعاني من تضخم فعلي يفوق الأرقام الرسمية، ومن ركود صامت تضرب مؤشراته ثقة المستهلك والاستثمار والإنتاج الصناعي. كما أن الحرب التجارية، التي رُوّج لها كوسيلة لحماية الاقتصاد الوطني، تحولت إلى عبء داخلي رفع الأسعار وأضر بالزراعة والصناعة، وعمّق السخط الشعبي.
سياسيًا، تواجه الإدارة الأميركية تراجعًا ملحوظًا في الشعبية، وانقسامًا داخل الحزب الحاكم، واقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة تزيد من هشاشة القرار السياسي. هذا الواقع يجعل السياسة الخارجية أداة ضغط داخلي، تُستخدم فيها لغة القوة والتهديد بدل الإصلاح والمراجعة.
أما على مستوى الجغرافيا السياسية، فتتضح ملامح استراتيجية أميركية تركز على الدول الغنية بالطاقة والمعادن أو المتحكمة في عقد التجارة العالمية. ففنزويلا، بما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي في العالم، تُعد هدفًا مباشرًا في سياق الصراع على مصادر الطاقة وإضعاف نفوذ الصين وروسيا في نصف الكرة الغربي. وغرينلاند، بموقعها القطبي وثرواتها المعدنية النادرة، تتحول إلى ملف أمني واقتصادي في آن واحد. وإيران، بثقلها الجغرافي ومواردها وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، تبقى في صدارة الحسابات الأميركية.
ولا يقتصر هذا النهج على المواجهة الصلبة، بل يمتد إلى ضغوط ناعمة ومتدرجة تُمارس على دول أخرى مثل تشيلي وبوليفيا والكونغو ونيجيريا، حيث تُستخدم أدوات الاقتصاد والاستثمار والتنظيم بدل التدخل العسكري المباشر، مع بقاء خيار التصعيد قائمًا عند الحاجة.
خلاصة المشهد أن ما تشهده السياسة الأميركية اليوم أقرب إلى محاولة شراء الوقت عبر تصدير الأزمات، لا إلى استراتيجية استقرار طويلة الأمد. فالتوسع في الضغط الخارجي قد يؤجل الانفجار الداخلي، لكنه لا يمنع ارتداد كلفته السياسية والاقتصادية لاحقًا، خاصة في عالم يتجه بسرعة نحو تعددية قطبية تقلّص قدرة واشنطن على فرض قواعدها القديمة.

الفيديو

تابعونا على الفيس