مخطط نتنياهو في القرن الأفريقي بقلم: الصادق الرزيقي

ثلاثاء, 01/06/2026 - 21:13

تهب رياح عاتية على منطقة القرن الأفريقي، تنذر بتحولات جيوسياسية كبرى في أعقاب تسارع الأحداث، من حرب السودان المستمرة إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولةً ذات سيادة، في خطوة تكرّس فصل هذا الجزء من الصومال عن وطنه الأم، ضمن سياق مشروع تقسيمي صهيوني–أميركي أُقِرَّ منذ سنوات.

ولا يُتوقع أن تكون هذه الخطوة – إن كُتب لها النجاح – آخر حلقات التفكك في هذه المنطقة المطلة على أحد أهم الممرات المائية الدولية للتجارة العالمية، ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة. كما أنها قد تشكل عامل إغراء لحركات انفصالية أخرى في الإقليم كانت تترقب اللحظة المناسبة لإعلان مشاريعها الخاصة.

من الانفصال الهادئ إلى الانفجار المفتوح

ظلت المشاريع الانفصالية في القرن الأفريقي تُدار سابقًا على نار هادئة، غير أن انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 فتح الباب أمام موجة جديدة من النزعات الانفصالية، خاصة في دول مثل إثيوبيا، التي تعيش حالة توتر قومي معقّد، تضم قوميات تطمح إلى كيانات مستقلة، أبرزها إقليم تيغراي، إلى جانب أقاليم أخرى لم تُخفِ يومًا رغبتها في الانفصال والتحرر من سلطة الدولة المركزية.

إثيوبيا… اللاعب الخفي

تُعد إثيوبيا اللاعب الخفي والأكثر تأثيرًا في مسار الاعتراف بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي. فقد بدأ التنسيق بين أديس أبابا وهرجيسا منذ سنوات، وتعزز بتوقيع اتفاق عام 2023 يمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا بطول 20 كيلومترًا يصل إلى ميناء بربرة.

وقد لعبت الحكومة الإثيوبية، بالتنسيق مع إسرائيل وأطراف إقليمية ودولية أخرى، دورًا محوريًا في إذكاء مشروع الانفصال، في إطار مساعٍ لإعادة رسم حدود المنطقة وتوليد دويلات جديدة. ولم تُخفِ أديس أبابا يومًا نيتها “الوصول إلى البحر مهما كانت النتائج”، وهو ما يعكس ثقة كبيرة في حتمية الاعتراف القادم، ويفتح الباب لتنفيذ اتفاق 2023 عمليًا.

ارتدادات داخلية وخارجية

لكن هذا المسار قد يرتد على الداخل الإثيوبي نفسه، إذ إن القوميات المنتشرة في أقاليم بني شنقول، والعفر، وأوغادين، وتيغراي، وأمهرة، إلى جانب الأورومو وقوميات الجنوب، ليست بمنأى عن عدوى الانفصال، ما ينذر بتفكك داخلي واسع.

وفي السياق ذاته، تواجه إريتريا مخاطر متزايدة، في ظل محاولات لإشعال اضطرابات داخلية، رغم امتلاكها ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر وموانئ طبيعية وجزر استراتيجية. وتشعر أسمرا بأن الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر يستهدفها بشكل مباشر، في ظل تاريخ طويل من الخلافات بين البلدين.

الصومال أمام اختبار مصيري

أما الصومال، الذي يستعد لاستحقاق انتخابي مهم في النصف الأول من عام 2026، فيواجه تحديات خطيرة قد تهدد مساره الديمقراطي. فهناك مخاوف حقيقية من أن تحذو أقاليم أخرى – مثل بونتلاند – حذو أرض الصومال، خاصة في ظل ضغوط إقليمية ودولية، ووجود إسرائيلي غير معلن في بعض الموانئ والقواعد الساحلية.

كما تتعرض أقاليم جنوبية مثل جوبالاند لضغوط مماثلة، غير أن اللافت هو تنامي الرفض الشعبي الصومالي لأي تدخل إسرائيلي، في ظل موقف تاريخي رافض للكيان الصهيوني، ومتجذر في الهوية الإسلامية والعربية للشعب الصومالي.

جيبوتي في مرمى العاصفة

تشعر جيبوتي بدورها بخطر وجودي متزايد، إذ إن حصول إثيوبيا على منفذ بحري جديد قد يشكل ضربة قاصمة لموانئها، التي تعتمد عليها اقتصاديًا بشكل كبير. وتجد حكومة الرئيس إسماعيل عمر جيله نفسها تسير فوق حقل ألغام، في ظل ضغوط أميركية وإثيوبية متزايدة وخلافات إقليمية حول ملف الموانئ.

القلق العربي والتحركات الإقليمية

أثار الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قلقًا عربيًا واسعًا، خاصة لدى السعودية، ومصر، واليمن، والسودان، التي أعلنت رفضها القاطع لهذه الخطوة. كما تحركت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لتأكيد موقفهما الداعم لوحدة الصومال.

وتدرك القاهرة أن الرابح الأكبر من هذا الاعتراف هو إثيوبيا، وأن التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي قد ينقل صراع النفوذ – خاصة المتعلق بالمياه – إلى مربع جديد يهدد الأمن القومي والمائي المصري.

السودان… الحلقة الأضعف

لا يمكن فصل ما يجري في القرن الأفريقي عن حرب السودان، التي أسهمت في تحييد دولة محورية كانت قادرة على لعب دور إقليمي معارض لمشاريع التقسيم. ويواجه السودان اليوم خطر التشظي، مع تصاعد دعوات انفصالية في دارفور وكردفان، واحتمالات ولادة دويلات جديدة في المنطقة.

خلاصة

إن مخطط إعادة رسم الجغرافيا السياسية لأفريقيا بدأ فعليًا من القرن الأفريقي، أكثر مناطق القارة تعقيدًا وحساسية. والسيطرة على هذه المنطقة تعني، عمليًا، التحكم في شرق ووسط وجنوب أفريقيا.

وإذا ما استمر هذا المسار، فإن العالم قد يشهد قريبًا فسيفساء جديدة للقرن الأفريقي، تتناثر فيها الكيانات السياسية، وتتبدد الحدود، في مشهد يعيد إلى الأذهان أخطر سيناريوهات التفكيك الإقليمي.

الفيديو

تابعونا على الفيس