الدم والحبر في سوريا: نخبة منفصمة عن الذاكرة الجمعية للشعب؟

خميس, 08/28/2025 - 11:48

التحرير كأنه تجربة مختبرية للأفكار

هل يمكن لشعبٍ عاش تحت منظومة قمعٍ غير مسبوقة في تاريخ المنطقة أن يحمل وعياً موحداً لمعنى الخلاص والتحرر أم أن هناك فجوةً حتمية بين إدراك النخبة التي تراقب الأحداث من برجها الفكري، وبين وعي الملايين الذين ذاقوا الاستبداد بكل تفاصيله وحملوا ثقله على أجسادهم وأرواحهم؟
هذا السؤال يتجاوز حدود السياسة إلى الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي: كيف تتشكل الذاكرة الجمعية بعد الكوارث الكبرى، وكيف يُعاد تعريف الحرية والكرامة والعدالة في وجدان الشعوب التي عاشت جحيماً منظماً؟
في الثامن من كانون أول الماضي، اهتزّت دمشق بصوت التكبيرات، معلنةً فجرَ مرحلة جديدة في تاريخ سوريا. لم يكن الحدث خبراً سياسياً عابراً، بل لحظةً إنسانية عميقة عايشها ملايين السوريين بدموع الفرح وارتجاف القلوب؛ وصاحبها شعورٌ بأن سنوات الرعب الطويلة بدأت تتلاشى تحت وقع الأذان الذي تحول إلى نشيد تحرير. لم تكن الحرية شعاراً سياسياً، وإنما باتت إحساساً مادياً ملموساً يملأ الشوارع والبيوت، وذاكرةً حيّة تؤكد أن التحرير لم يكن نصراً سياسياً مؤقتاً، بل خلاصاً وجودياً.
ولكن، في غضون أسابيع قليلة، انبرت بعض النخب الحداثية لإسقاط شعاراتها النظرية على هذا الواقع، متعاملة مع التحرير كأنه تجربة مختبرية للأفكار. فهي لم ترَ التكبيرات فرحاً شعبياً بقدر ما رأت فيها نذُرَ تهديد مبكرة لهوية المجتمع الحداثي المأمول، فاستدعت، في أعماقها، سجالات الخوف من المجتمع والصراع معه، متجاهلة نبض شعبٍ يستعيد أنفاسه بعد عقود القهر. ومع أخذِ طبيعة وخلفية من حرروا سوريا بعين الاعتبار، استدعت لحظة التحرير سجالات الهوية والحداثة عند النخب، فبدأ خطابهم يفتّش، مبكراً، في المشهد عن دلالات «خللٍ حضاري»، بدل أن يلتقط نبض شعبٍ يستعيد أنفاسه بعد سنوات من القهر. وبالمحصلة، كان خطاب هؤلاء أشبه بكتابة تقريرٍ عن زلزال بينما الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض. وبينما عاش الملايين يومهم كولادة ثانية، غرقت بعض النخب في تنظير متعالٍ كشف انفصالها الوجودي عن الشعب.
لقد أبرزت التجربة السورية فجوةً بنيوية بين وعيٍ شعبي متجذّر في الألم والخبرة التاريخية، ووعيٍ نخبوي «مُعلّب» يستند إلى مقاربات حداثية نظرية لم تستطع التحول إلى مشروع اجتماعي جامع. فبالنسبة لشرائح واسعة من النخبة، أصبحت الثورة السورية وقيم الحرية والديمقراطية، تدريجياً، مادةً للنقاش الأكاديمي، وميداناً لتطبيق المفاهيم الغربية عن المجتمع المدني والعدالة الانتقالية. ورغم الأهمية الفكرية والنظرية لهذه الأدوات، غير أنها وُلِدت «بيضاء ناعمة» من رحم خطاب الحداثة، المستورد، والمأزق أن تلك الشرائح لم تستطع ترجمَتها، عملياً، إلى مشروع اجتماعي جامع، على أي مستوى، وفي أي مجال، خلال سنوات الثورة، في بيئةٍ «سمراء خشنة». ولهذا فإنها كثيراً ما اختزلت المأساة في أرقامٍ وصورٍ وإحصاءات، وتعاملت مع آلة القمع بوصفها ظاهرة سياسية قابلة للدراسة لا كتجربةً إنسانية تحفر الذاكرة. بالمقابل، صاغ الشعب، الذي عاش نسخةً معكوسةً من الحداثة، تجربته الخاصة في مواجهة دولة حديثة تحولت إلى أداة بطش وإبادة، وصنع دروسه الفلسفية على أرض الواقع، بشكلٍ لا يمكن للمفاهيم الأكاديمية أن تبلوره. ففهم معنى السلطة المطلقة وأهمية الحرية كشرط للبقاء. وعندما لم تُنتج النخبة خطاباً يوازي هذا العمق الإنساني، باتت فجوة الثقة بينها وبين الشعب تتسع.
وفي قراءة التاريخ البشري، لا يبدو غريباً على شعبٍ عاش، تحت منظومة جعلت الخوف جزءاً من بنيته النفسية، أن يقف طويلاً أمام حدثٍ كونيّ انهار فيه نظامٌ امتد لعقود. فقد وجد السوريون أنفسهم يلتقطون أنفاسهم للمرة الأولى بعد غرق طويل، يريدون تنفس هواء الحرية قبل تصديق أنها حقيقية. هذه الصيرورة الاجتماعية والنفسية تحتاج سنواتٍ من إعادة بناء الثقة والذاكرة والهوية الوطنية، وهو ما يفسر أن ملايين السوريين ما زالوا في مرحلة استيعاب حجم ما تحقق والاستمتاع به على الصعيد المعاشي والنفسي والفكري يوماً بيوم، دون عجلة، وليسوا، أبداً، في مرحلة تخطيط محترفٍ للمستقبل. هذه الذاكرة الجمعية الثقيلة للشعوب الخارجة من الإبادة لا تُصاغ بأدبيات الحداثة النظرية، وإنما تجعل التحرير حدثاً استثنائياً لا يمكن تبسيطه في قوالب أكاديمية أو اختزاله في مخططات سياسية جاهزة. وهذا الوعي، المولود من لحمٍ ودم، يجب أن يكون حجر الزاوية لأي مشروع مصالحة وعدالة انتقالية، لأن سقوط النظام لم يكن مجرد تغيير سياسي بل تحرراً وجودياً أعاد تعريف معنى الإنسانية.
لقد بدأت زاوية الانفصال بين وعي النخبة ووعي السوريين صغيرةٍ بعد التحرير، إذ عاش المثقفون لحظة الدهشة بمشاعر مختلطة؛ فقد حصلَ و«زال الأبد» الذي كانوا على قناعةٍ راسخةٍ بأنه لن يزول. لكن التنظير، ومعه التفكير الرغبوي، سرعان ما عادا ليحاصرا هذا الوعي الوليد، قبل أن يجد هؤلاء أنفسهم داخل قاعاتٍ للصدى الداخلي، أحكمت عليهم جدرانها، وسرّعت وتيرة الانفصال. في تلك القاعات، توقف كل نقد ذاتي ممكن، واكتملت شروط الانضباط الأيديولوجي، وتحولت النخبة إلى جماعةٍ تتبنى خطاب «مظلومية» تتمثل في «أقوياء» يحكمون الدولة، في مواجهة «ضعفاء» هم مجرد مثقفين «قلبهم على الشعب». وبلغ هذا الانفصال ذروته مؤخراً حين صاغ بعضهم مصطلح «الفاشية السنية» وكأنه «مرسوم جمهوري»! ما كشف عن أزمة نخبوية أخلاقية وفكرية تُحوّلُ الصراع إلى ثنائية «نحن» و«هم»، بطريقة تُذكّر بالمفهوم التوراتي لـ«الأغيار»، وتُكرّس الجدران النفسية والسياسية بين مكونات الشعب.
إن التجارب التاريخية تؤكد أن الفجوة بين وعي الشعوب المتشكل في سياق القهر والإبادة، وبين الوعي النخبوي الأكاديمي، ليست مجرد اختلاف زوايا نظر، وإنما هي بنية معرفية تُعيد إنتاج الهيمنة. فالثورة الفرنسية، مثلاً، حوّلت اقتحام الباستيل إلى لحظة تأسيسية للشعب، بينما اختزلته النخب في نظريات العقد الاجتماعي. وفي روسيا، أنتجت الحرب الأهلية وعياً شعبياً حول العدالة بينما فرض البلاشفة رؤيتهم الأيديولوجية وأعادوا الاستبداد بصيغة جديدة. أما في ألمانيا فايمار، فقد غرق المفكرون في جدالات دستورية بينما غذّت البطالة والإذلال صعود النازية. الأمر نفسه شهدته الجزائر وفيتنام وجنوب إفريقيا، حيث تحولت دماء القرى والسجون إلى رأس مال رمزي للشعوب بينما تعاملت بعض النخب مع التحولات كمشاريع نظرية.
واليوم، تتكشف التجربة السورية عن لحظة تأسيسية لإعادة تعريف علاقة السوريين بأنفسهم وهويتهم والدولة ذاتها. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، أنتجت هذه التجربة «ذاكرة جمعية تأسيسية» تُشكّل رأس المال الرمزي لأي نظام قادم. وتجاهلُ هذه الذاكرة أو اختزالها ضمن سرديات معقمة خطأ معرفي وسياسي قاتل، إذ لا مشروع وطني جامع يمكن أن يُبنى دون الانطلاق منها.
كما أن أزمة النخبة السورية اليوم تكشف مأزق إعادة إنتاج النخب في سياق ما بعد الصراع؛ فهي لم تنجح في تحويل خطاب الحداثة إلى مشروع اجتماعي واقعي، وتجد نفسها أمام خيارين: الانفتاح على التجربة الحيّة للشعب وما تحمله من دروس فلسفية وأخلاقية حول معنى الحرية والسلطة والكرامة، أو الانكفاء إلى هوامش التاريخ. ذلك أن الشرعية الثقافية والسياسية لا تُكتسب بالخطاب وحده، بل بالمشاركة في صناعة اللحظة والانخراط في إعادة بناء المجال العام الذي دمره الاستبداد لعقود.
وبالمجمل، نحن اليوم أمام وعيٍ شعبي هو بمثابة جسد، نفسي وفكري، تاريخي واسع ومتجذر في الألم والصمود، لا يمكن حشره في «لباس ضيق» صاغته النخبة وفق مقاييس خطابها الحداثي الذي يحاول استخدام أدواته كمفاهيم وقوالب جاهزة للتنزيل على كل سياق. هذا وهمٌ معرفي أشبه بمحاولة إدخال نهر هادر في قنينة زجاجية، يكرّس انفصال النخب عن واقع أنجب وعياً جمعياً يتجاوز قدرات القوالب الأكاديمية على احتوائه. والمطلوب، بالمقابل، يتمثل في تطوير أدوات تحليل وفهم منبثقة من التجربة المحلية والذاكرة الجمعية، بدلاً من الاكتفاء برؤى مستوردة أو نظريات مجردة.
إلى أين من هنا؟ هذا السؤال موجهٌ أولاً إلى النخب السورية. فبعد سنوات الدم والتحرير الذي بدا يوماً مستحيلاً، تقف البلاد أمام مفرق تاريخيّ لا يحتمل العمى الفكري. وهذا يتطلب من المثقف أن يخلع نظاراته الأيديولوجية ويستعيد القدرة على الإصغاء لنبض السوريين. نعم، وتحديداً منهم تلك الشريحة الكبرى التي تشكل وعيها تحت القصف وفي السجون، بشكلٍ لا يمكن تجاوزه أو اختزاله، وأي مشروع لبناء المستقبل دون إدراكه سيولد ميتاً. فالشعب لا ينتظر خطابات جديدة من أبراج معزولة، وإنما يحتاج إلى من يحوّل تجربته التاريخية إلى مشروع جامع.
وإذا لم تدرك النخب خطورة انفصالها عن نبض الأرض، فإن الهوة ستتسع. فالشعوب قادرة على إفراز نخب جديدة تعبّر عنها، بينما النخبة القديمة، مهما امتلكت من تنظيرات، لن تصنع شعباً لا تشاركه وجعه. والشرعية الحقيقية تُبنى بالمشاركة في صناعة اللحظة التاريخية لا بمراقبتها من بعيد. لأنه، ببساطة، من رحم الدماء والقهر تولد الأمم ونخبها الحقيقية، بينما من يتجاهل هذا النبض يكتب نهايته بنفسه.
* كاتب من سوريا يقيم في أمريكا

الفيديو

تابعونا على الفيس