تتوارد الأخبار من سوريا بنسق لا يمكن متابعته بدقة، هناك حدث جديد كل لحظة. والالتصاق بالأخبار من مصادر كثيرة يخلق انطباعا بأن العالم كله يتحرك في سوريا ويتغير من هناك. حدثان مهمّان ميزا الأسبوع الأول من رمضان/ مارس 2025؛ الأول هو خبر التمرد المسلح في منطقة الساحل وكيفية الرد عليه أو معالجته، والثاني هو إبرام اتفاق حاسم مع الانفصاليين الأكراد في الشمال الشرقي. تفاصيل الخبرين تملأ وسائل التواصل المختلفة، لذلك نتجاوزها إلى قراءة السلوك السياسي للحكام الجدد في سوريا، من خلال معالجة الأمرين التمرد والانفصال في أفق توحيد القطر.
ننشغل هنا بالنظر في سلوك الإسلاميين في الحكم في التجربة السورية، وهي آخر تجارب الإسلاميين العرب بعد أن فشلت تجربتهم في تونس والمغرب ومصر خاصة. هل يمكن للمقاتل الجهادي الذي كشف شجاعة عالية جدا، أن ينتقل وبسرعة من مقاتل إلى رجل دولة؟ يمارس السياسية بأدواتها القانونية وبمفاهيمها؟ إننا نرى الإسلام الكفاحي يتعرض لاختبارات قاسية، ونلتقط مؤشرات قدرة على النجاح سيتجاوز صداها القطر السوري.
ليست متجانسة.
الصورة الواصلة إلينا عبر الإعلام العربي خاصة (يتمتع السيد الشرع بنعيم اتفاق القنوات القطرية والسعودية في خدمته)، تقدم مشهدا منسجما وقوما متوافقين على بناء دولة من الصفر، لكن الانفلات الذي حصل في الساحل بين 6 و9 آذار/ مارس، شوّه الصورة السمحة وبث ريبة كبيرة يوصم بها الإسلاميون من كل خصومهم في كل مكان، وهي أنهم يظهرون الديمقراطية ويبطنون التكفير. الذين هبوا للقتال في الساحل بعد الإعلان عن نهاية الثورة، وبدء بناء الدولة ضربوا مصداقية السيد الشرع وحكومته في مقتل. قد يعالجها بلجنة تحقيق محايدة وشجاعة، ولكن العلاج الحقيقي سيكون بإنهاء الروح التي تربت عليها فصائل لا تفرق بين شركاء الوطن المختلفين وأعدائه. القبضة الأمنية كانت حاسمة وسريعة وهذا يحسب للحكومة، ولكن ردم عاهة الانتنقام تحت خطاب التسامح فشل لا شك فيه.
مائة يوم لتوحيد سوريا
تفوق الشرع وحكومته على البعث في مائة يوم، فقد وحّد البلد دون دم، هذه علامة نجاح في الاختبار العسير. لنرى أهمية الاتفاق مع المكون الكردي المسلح والانفصالي، يكفي أن نتخيل عملية عسكرية تقودها دمشق في الجزيرة السورية لإجبار الكرد على إلقاء السلاح، هذه حرب أوسع من حرب محلية، لا يمكن لأحد أن يتوقع كلفتها ومخلفاتها النفسية والاجتماعية ونهايتها في دولة ناشئة تعجز عن تدبير الرواتب.
من مزية الاتفاق، أن المكون الدرزي جاء بسرعة مذهلة ليدخل في الدولة الحديثة ويرفع رايتها ويعزل التوجه الانفصالي. وقد يكون من فوائد الاتفاق، أن بعض من يزعم التكلم باسم المكون العلوي سيصمت إلى الأبد، وقد فشل في التمرد وفقد السند الكردي المتخيل.
المطاولة والتفاوض والصبر الذي أظهره الشرع وحكومته حتى تم تحقيق الاتفاق السلمي، يذكر فعلا بتراث معاوية السياسي وهو يبني دولته ويوسعها، ويأتي بالعرب والفرس والبربر تحت رايته بأقل القليل من الدم.
سيحسب هذا الاتفاق للإسلاميين الذين كشفوا هنا قدرة عالية على التجميع، دون تلك الروح الانتقامية التي انفلتت في الساحل قبل يومين من الاتفاق. تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض سيكون عسيرا، فالأمر فيه سلاح وأموال واختلافات أيديولوجية عصية على التذليل، لكن الجدار كسر والجسر يبني.
حالة عجيبة تجسدها سوريا الجديدة؛ القومي العربي الوحدوي يفرق الشعب الواحد ويثير بعضه ضد بعض، بينما يأتي الإسلامي ليوحد ودون إراقة دماء. في العقول الرصينة التي تفكر في الأوطان، نرى الإسلامي يربح سمعة سياسية طيبة وأنصارا كثرا قد يظهرون في أول صندوق انتخابي، بينما يندحر القومي العربي الذي لم يفشل في توحيد الأمة فحسب، بل قسّم القُطر الواحد وعاش من التقسيم وهو يلغو بالوحدة.. من تونس حيث أكتب مجلس اللطم يتوسع.