*عن الشعر: حديث في المضامين*

سبت, 09/19/2020 - 12:51

أحمد عبد الله الداه

الشعر أحد أنواع الأدب العربي الأصيل، بل هو أبو الأدب الذي منه يتفرع؛ وإليه يرجع، وضع حجره الأساس الجاهليون الأُوَل : مهلهل ابن ربيعة والذين أتوا من بعده،
ومنذ ذلك الحين والأجيال تتعاقب عليه بالعناية والتشييد كل بحسب جهده، يضع هذا لبنة من ناحية، ويضع ذاك لبنة من ناحية أخرى،وكانت لبناته أمشاجا من الرديء والجيد، والحسن والقبيح.

ولم يزل على هذا الحال حتى شب عن الطوق, وقُطِّعتْ عنه التمائم، واستحق لَيَّ العمائم" وسُمّطت منه المسمطات، وعلقت المعلقات، فكان للضمائر مفسرا، وعن معادن النفوس مُخبرا، فظهر من قبل عهد النبوة من يُشعر شِعرُه ببصيرة تتجاوز ظاهر الحياة إلى ما وراء الظاهر! ويقف أصحابها عند الآيات المرئية متأملين سادرين عن فكر ونظر يتأملون الكون ومصير الحياة!

فهذا الحكم بن أبي الصلت الذي كاد أن يؤمن يقول :
سكنتك يا دار الفناء مصدقا٭٭ بأني إلى دار البقاء أصيرُ**
وأعظم ما في الأمر أني صائر٭٭ إلى عادل في الحكم ليس يجور٭
فيا ليت شعري كيف ألقاه بعدها٭*وزادي قليل والذنوب كثيرُ.
ففي هذه المضامين المخبتة والمشاعر الوجلة تتعانق الجودة والحسن يصوغان مضامينَ لا هِيَ بالميْتَة ولا النطيحة،

غير أنه كان من أهل هذا العصر الجاهلي آخرون وقفوا لا ليتأملوا واستوقفوا لا لينبهوا أو ينصحوا وبكوا لا من خشية الله! بل من تنعاب الشواحج! والمرور على الأطلال البوالي وتذكر أيامٍ صالحات للهو واللعب :
ألا رب يوم لك منهن صالحٌ ولا سيما يوم بدارة جلجلِ
ثم خرج من أصلاب هؤلاء أو من نِحلتهم من يرد عليهم لا لتنَكبه طريقهم أو مجانبة غفلتهم! بل لأوْلوية كبائرَ أخرى عنده كالخمر وأشياءَ من الفجور لم تك عند سابقيه!.

فهذا أبو نواس يقول :
عاجَ الشقِيّ على دارٍ يُسائِلُها**وعُجتُ أسألُ عن خَمّارَة ِ البلدِ
لا يُرْقىء ُ الله عينيْ من بكى حجَراً**ولا شفَى وَجْدَ من يصْبو إلى وَتَدِ
قالوا ذكَرْتَ ديارَ الحيّ من أسَدٍ**لا دَرّ درّكَ قلْ لي من بَنو أسَدِ.
ويواصل أبو نواس في سخرية واستهزاء بأشياخه أصحابِ المضامين الهابطة قائلا :
قل لمن يبكي على رسْم درسْ**واقفا، ما ضرّ لو كان جلسْ!
أُترك الرّبْع وسلمى جانبا**واصطبحْ كرخيةً مثل القبسْ.
وقبل تبكيت أبي نواس لأصحاب الأيام الصالحات للهو واللعب قبْل أبي نواس بكثير بزغ فجر الإسلام على الشعراء فتفتَّقتْ عن الإيمان قرائحُ من ألقى السمع وهو شهيد، فقَيَّدَ التقْوَى كل بعير شارد، وأصبح الناس بين صادر ووارد، واستقوا من القرآن معاني وألفاظا لم تكن لهم على بال، وأرَجَتِ المدينة بنضال حسان ومديحه، وظل الشعر الذي يتغنى بالإسلام ومبادئه، ومحمد ﷺ ومناقبه، هو المطروق إنشاءً وإنشادا وكسدت سوق الخلاعة والمجون والتفاخر والتنابز، ولم تزل الصدارة في هذه الحقبة للشعراء الذين يحملون رسالة نبيلة، تطير مع كل هبوب حروفهم الساحرة، وأبياتهم السائرة، فتقع من الكافرين موقع الحسام في الهام، وتكون للمؤمنين شفاء لما في الصدور.

وبهذه المضامين الرسالية جاهد الشعراء وصابروا ولم يَحيدوا عنها إلا بعد أن اجتالتهم القصور في حقبة الإمارة والملْك العَضوضْ، فحملوا الحقائب خِفافا ونظموا الشعر جزافا ورجعوا بُجْرَ الحقائب، ولكن ذهب النور الذي كان معهم؛ وأذهبت منهم البطنة كل فطنة.

وعند منعرج الدولة العباسية تخلَّف بعض الشعراء عن البلاط وخالفوا إلى "خمَّارة البلد" وتفننوا في الفحش والمجون والزندقة والإلحاد.. ولم يكن للفريقين ثالث : (شعراء البلاط، وشعراء أم الخبائث ) إلا نداء اتعاظ واعتبار يصل قليلا مع زفرات أبي العتاهية والقلة القليلة التي سلكت سبيله، وکانت هذه الاتجاهات الثلاثة هي الغالب علی الساحة العباسية، وغيرها إن وجد يبقی ضٸيلا لا يشکل بمفرده خطابا ولا مضمونا.
حسَناً ما ذا بقي بعد هذا من الاتجاهات والأزمن التي تجدر الإشارة إلي مضامين الشعر فيها؟
أظن أن فيما ذكرنا كفايةً لرصد طبيعة المضامين الشعرية في الزمن السالف، فلم يبق غير ما يسمونه شعر الانحطاط وليس له مضمون يذکر، ثم النهضة بمراحلها المختلفة ومدارسها المتنوعة، وبعض نتاج هذه النهضة أعني المدرسة الحداثية أو الشعر الحداثي عند هذا الأخير نعقل قلائصنا لا "لنبكي الديار كما بكى ابن جذام" لكن لنبكي المضامين الجيدة والألفاظ الحسنة، ودعني من تيار <ما بعد الحداثة> فذلک ضرب من العبث يصان عنه الکلام.
"ولکن حديثاً ما حديث" الحداثة؟
الحداثة هي ذلك المصطلح الغريب الذي نسب إليه كل قول خارج عن المألوف! فيُؤَوَّلُ الدين وتُضرب فيه أخماس بأسداس فيقال حداثة! ويُلْقَى الشعر باهتا هاتكا غيرَ منسجم ولا محتشم فيقال حداثة!
الحداثة -في عمومها-نوع من "الحلول" الاَّ أَدَبِي ناتج عن تضخم الأنا والتحنث في محراب الذات بعيدا عن دنيا الناس ودينهم.
فلا تعجب إن وجدت الشعر الحداثي خِلْواً من الهموم المجتمعية خلُوّه من المصطلحات الدينية والمبادئ الخلُقية
ولا تعجب إن رأيت فيه إطلاق الكلام على عواهله من غير تفريق بین ما يليق بالله وما لا يليق إلا بالله!
وإن تعجب فعجب کل ذلک التدوير الحداثي وإعادة تصنيع العبارات المنهکة الموغلة في تقديس الإنسان في مقابلة أنسنة المقدس!
وكأنه غاب عن ناظر الحداثيين أن المضامين الوافدة ذات الأصول الغربية لا توؑثِّر في غير المجتمعات التي أنتجتها، وإن استوطنت فسيبقی ”حنِينُها أبداً لأول منزل“

وإنّ تُربَة المضامين الشعرية -في المجتمعات الإسلامية لخصيبة، وعلی مرّر العصور لم تزل أوسمة الإشادة والتميز تربت علی أکتاف المبدعين
ففي فجر الإسلام نال حسان ابن ثابت ولبيد ابن ربيعة والنابغة الجعدي وغيرهم أوسمة الصدق والإبداع من رسول الله ﷺ، فهو القائل : ( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد (ألا كل شيء ما خلا الله باطل )
وحين أنشده النابغة الجعدي قوله :
علونا السماء مجدُنا وسناؤنا ** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له إلی أين يأبا ليلی؟ قال : إلى الجنة
فقال له النبي ﷺ هو ذاک إن شاء الله.
ومن نافلة القول إن المضامين الشعرية لا يشترط في قبولها واعتلائها منصات الإبداع أنّ تکون جادة متبتلة، بل يحسن في کل مقام مقاله، وفي کل الأغراض مضامين حسنة يتوکٶ أصحابها علی عصا التلميح، ويخصفون من ورق المجاز -غير المفرط- ما يواري سوءات فاحش التصريح، ویعصم من الجهر بالسوء من القول.

وخلاصة القول إنه منذ أيام الشعر الأولى والمضامين الشعرية تعاني من نضوب وخواء مطبق، ولم يرفع بها رأسا إلا أمَّةً من الشعراء أصاب منهم الوحي أرضا طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وإلا أُمَّةً من دونهم تذود عن حمی اللغة وتعض عليها بالنواجذ، وغير هٶلاء وأولئک لم يزل يقوم ويعثر، ويخبط ويخلط، إلى أن جاءت بعض المضامين الحداثية فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.